نحو توستماستر حسيني

أ . بدر الشبيب *

إذا انطلقنا من حديث الإمام علي : ( من تساوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان أمسه خيرا من يومه فهو ملعون، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقيصة ، ومن كان في نقيصة فالموت خير له من الحياة )، سندرك أهمية أن لا يتساوى يوما المنبر الحسيني وأن يكون في بحث دائم عن التجديد والتطوير.

وتزداد هذه الأهمية إذا أخذنا بعين الاعتبار الخصوصيات الملازمة لهذا المنبر والتي تميزه عن أي منبر آخر، ومنها:

1- القداسة التي اكتسبها المنبر الحسيني مما أضفى على كل شأن من شؤون الارتباط به صبغة خاصة، فصعود أعواده شرف عظيم، والسعي للإنصات إلى خطيبه توفيق كبير، وخدمة المستمعين إليه فخر يتنافس على نيله المتنافسون.

2- القدرة التأثيرية والتعبوية للمنبر الحسيني على كافة الشرائح الاجتماعية، فقد اختط لنفسه طريقة فريدة زاوج فيها بين العامية والفصحى شعرا ونثرا، كما زاوج في المجمل بين العمق والبساطة، وبين العقل والعاطفة، كل ذلك في خلطة مستساغة يهضمها الجميع ويأخذ كل منها بقدره.

3- البعد الوجداني: حيث لا يوجد منبر آخر ينفذ إلى داخل المتلقي ويستولي على مفاصله الوجدانية كما هو الحال مع المنبر الحسيني. وهذا مرتبط بالطبع بالأحداث المأساوية الفظيعة التي يستحضرها المنبر وعلى رأسها يوم عاشوراء المتجدد دائما.

وعلى الرغم مما شهده المنبر الحسيني من تطور كبير تم بمبادرات فردية وجهود ذاتية قام بها العديد من الخطباء المتميزين الذين حاولوا بكل إمكانياتهم أن يعصرنوا المنبر ليستجيب للتحديات الداخلية والخارجية في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة في مجال الاتصال الإنساني؛ على الرغم من ذلك فإن هذه المبادرات المشكورة لم تتحول إلى شكل مؤسسي يكون مسؤولا عن وضع الأسس والمعايير العلمية لمراقبة المنتج المنبري وتطويره. فنحن لا نمتلك حتى الآن أسسا معيارية نحتكم إليها في تقييم مدى جودة الخطابة المنبرية أو في تصنيف الخطباء. ومن هنا فإن ضمانة التطوير المستمر للمنبر مرهونة بإيجاد مؤسسة تعنى بالخطابة الحسينية، وتعمل على إيجاد معهد متخصص لشؤونها. فالمنبر الحسيني لم يعد شأنا محليا، بل أصبح وسيلة إعلامية عالمية نستطيع من خلالها – إن أحسنا التعامل معها – مخاطبة كل العالم وتعريفه بعلوم ومعارف أهل البيت عليهم السلام، وتدويل القضية الحسينية لتكون قضية الإنسان أينما وجد على ظهر الأرض. إذ من المعيب حقا أن العالم يعرف المهاتما غاندي أو الثائر تشي جيفارا أكثر مما يعرف الإمام الحسين .

فالخطابة في عالمنا المعاصر هي علم وفن تشمل مجالات التحدث والإنصات والتفكير، وتستفيد من علوم النفس والاجتماع والاتصال والإدارة والقيادة للوصول إلى أهدافها في التأثير على المتلقين وصنع القناعات. ويمكننا في هذا المجال الاستفادة من تجربة منظمة التوستماسترز الدولية، وهي منظمة أسسها د. رالف سميدلي عام 1924 م لتعليم الناس فنون الخطابة والاتصال والقيادة، وتسعى لتحقيق أهدافها بأسلوب عمل تطوعي (غير ربحي) من خلال تنظيم أعضائها عبر العديد من الأندية التعليمية حول العالم، حيث يبلغ عدد أندية التوستماسترز في العالم حاليا ما يقارب من 11000 موزعة في أكثر من تسعين دولة حول العالم، ويصل حجم العضوية الحالية إلى ما يقارب 300 ألف عضو عامل، كما استفاد من خدمات هذه المنظمة أكثر من أربعة ملايين عضو منذ تأسيسها.

وقد طورت هذه المنظمة برنامجا تدريبيا وفق أسس علمية يتكون من 8 مراحل يجتازها العضو الواحدة بعد الأخرى بعد استيفاء متطلباتها. تبدأ المراحل بدرجة المتواصل المتمكن، ثم المتواصل المتقدم إلى أن تنتهي بالعريف المتميز وهي أعلى الدرجات. كما تقوم المنظمة بتنظيم مسابقات دولية في الخطابة بإشراف لجان تحكيم متخصصة.

يمكننا إذن الاستفادة من هذه التجربة العالمية الرائدة وغيرها من التجارب لتخريج خطباء حسينيين مؤهلين تأهيلا عاليا وقادرين على إيصال رسالة الحسين عليه السلام لمختلف أصقاع الدنيا. أما أن يظل الوضع على ما هو عليه حاليا دون تنظيم، فهذا يعني أن غير المؤهل يمكنه أن يصبح خطيبا بين عشية وضحاها وأن يمارس دور التوجيه وصناعة الرأي العام دون حسيب أو رقيب.

ولكن – ونحن ننتظر انبثاق هذا المشروع – يمكن أن نعمل على تطوير المنبر الحسيني من خلال ثلاثة أبعاد:


البعد الأول: الخطيب

حيث ينبغي على كل ممتهن للخطابة أن يبذل ما بوسعه لزيادة تحصيله العلمي والثقافي، ومطالعة الجديد في علم الاتصال الجماهيري وعلم النفس والاجتماع وغيرها من العلوم الإنسانية. هذا بالإضافة إلى زيادة رصيده مما يمكن أن يسمى بعدة الخطيب من أشعار حسينية مختارة، وشواهد قرآنية وشعرية مختلفة، وقصص تاريخية ووعظية، واطلاع واسع على التراث والتاريخ الإسلاميين ولا سيما المتصل بالنبي وأهل بيته .
وأظن أن من الوصفات الجيدة للتطوير الذاتي للخطيب أن يفكر في إنشاء موقع خاص به ينشر عليه كافة محاضراته، أو على الأقل أن يسجل المحاضرات بغرض بثها لاحقا في أي موقع متاح.


البعد الثاني: الرسالة المنبرية

في ظل غياب رسالة منبرية موحدة واضحة تحدد غايات المنبر الحسيني وأولوياته، ينبغي على كل خطيب أن يقوم بصياغة رسالة منبرية شخصية ترسم له الطريق وترشده في كيفية إعداد خطابه. وهنا يأتي دور الأسئلة:

- ما هي الغايات التي أريد الوصول إليها من خلال المنبر؟
- ما هي الأهداف التي أنشئ من أجلها المنبر؟
- ماذا يتوقع الجمهور مني؟
- ما هي أولوياتي؟
- هل لدي العدة المناسبة لتحقيق الرسالة التي أصبو إليها؟

قد تكون الغاية عنوانا عاما كإحياء أمر أهل البيت ، وقد تكون أكثر تحديدا كالتصدي للهجمات التشكيكية في المسائل العقدية، وقد تكون محاربة ظواهر معينة أو إحداث إصلاح اجتماعي ما. المهم أن تكون هناك رسالة.


البعد الثالث: الجمهور

من غير الصحيح أن يستمر الدور السلبي للجمهور المتلقي، بل على الخطيب أن يشجع حالة النقد البناء، وأن يحرص على الإنصات لرأي الجمهور. وقد خاض بعض الخطباء تجربة ناجحة فيما سمي بالمنبر التفاعلي الذي يسمح فيه للمتلقي بمقاطعة الخطيب والنقاش معه أثناء الخطابة.

إن الجمهور يمكن أن يساهم في اختيار المواضيع المناسبة، ورفد الخطيب بالمعلومات المرتدة المؤيدة أو المعارضة أو المصححة، وهذه مهمة ضرورية لتطوير المنبر الحسيني.

 

أديب وكاتب وباحث في علوم اهل البيت عليهم السلام