(35)

الواحد القهّار

أ . بدر الشبيب *

جاءت هاتان المفردتان معا في عدة آيات من القرآن الكريم، وذلك في الآية 39 من سورة يوسف، والآية 16 من سورة الرعد، والآية 48 من سورة إبراهيم، والآية 65 من سورة ص، والآية 4 من سورة الزمر، والآية 16 من سورة غافر حيث قال تعالى في هذه الآية: (يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ).

فما سرّ ارتباط القهّارية، التي هي صيغة مبالغة في القهر، مع الواحدية؟

في كتابه (الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، ج2) يقول الشيخ السبحاني: إنّ عوامل المحدودية تتمحور في الأمور التالية:
 
1 - كون الشيء محدودا بالماهية ومزدوجا بها. فإنها حد وجود الشيء. والوجود المطلق بلا ماهية غير محدّد ولا مقيد. وإنما يتحدد بالماهية.
2 - كون الشيء واقعا في إطار الزمان، فهذا الكم المتصل (الزمان) يحدد وجود الشيء في زمان دون آخر.
3 - كون الشيء في حيز المكان، وهو أيضا يحدد وجود الشيء ويخصه بمكان دون آخر.

وغير ذلك من أسباب التحديد والتضييق. ... إلى أن يقول: واللّه سبحانه لأجل كونه موجودا غير محدود، يصف نفسه في الذكر الحكيم ب الْواحِد الْقَهَّار. وما ذلك إلا لأن المحدود المتناهي مقهور الحدود والقيود الحاكمة عليه. فإذا كان قاهرا من كل الجهات لم تتحكم فيه الحدود، فكأن اللامحدودية تلازم وصف القاهرية، وقد عرفت أنّ ما لا حدّ له يكون واحدا لا يقبل التعدد. فقوله سبحانه، وهو الواحد القهّار، من قبيل ذكر الشيء مع البينة والبرهان. 

ثم يلخص كلام صاحب تفسير الميزان، الذي ذكره في المجلد السادس، ص88 وما بعدها، فيقول السبحاني:  قال العلامة (الطباطبائي): «القرآن ينفي في تعاليمه الوحدة العددية عن الإله جلّ ذكره، فإن هذه الوحدة لا تتم إلّا بتميّز هذا الواحد، من ذلك الواحد، بالمحدودية التي تقهره. مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّغناه في أوان كثيرة يصير ماء كلّ إناء ماء واحدا غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر، وإنما صار ماء واحدا يتميّز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوبا عنه، غير مجتمع معه، وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنسانا واحدا لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر، وهذا إن دلّ فإنما يدل على أنّ الوحدة العددية إنما تتحقق بالمقهورية والمسلوبية أي قاهرية الحدود، فإذا كان سبحانه قاهرا غير مقهور وغالبا لا يغلبه شيء لم تتصور في حقه وحدة عددية، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه عندما يصف نفسه بالواحدية يتبعها بصفة القاهرية حتى تكون الثانية دليلا على الأولى - قال سبحانه:
أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ، وقال: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.  وقال: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.  انتهى.

إن قهّارية الواحد المتعال تتجلى لكل فرد منا في هذه الحياة الدنيا في كل لحظة من لحظاتها، وذلك من خلال الموت الذي خُطّ علينا مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وقد جاء في دعاء الصباح: وقهر عباده بالموت والفناء.

والسؤال: هل قاهرية الإنسان لغيره مذمومة مطلقا؟ أم في الأمر تفصيل؟

والجواب: إن القاهرية صفة كمال، تماما كما القوة والقدرة. ولكن المسألة في كيفية إعمالها وإجرائها في مكانها الصحيح. فنحن جميعا مدعوون ما أمكننا لقهر الفقر والجهل والمرض، وكذلك قهر الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، لإيقاف طغيانهم.

أما ممارسة القاهرية بشكل متعسف دون وجه حق، فهذا ما ينهى عنه الشرع الحنيف: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ). وفي ضوء هذا كله نفهم قول الإمام علي : فالموتُ في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين.

أديب وكاتب وباحث في علوم اهل البيت عليهم السلام