خصائص الثورة الحسينية

 

بعض الثورات تمتدّ أيديها في الزمان إلى سنين أو عقود، وتمتدّ جذور رقعتها الجغرافية إلى دولة أو دول، وتحمل من القيم النبيلة الكثير من المبادئ والقيم والشعارات والدساتير العظيمة، وتتسع دائرة تأثيرها الإنساني إلى مجتمع أو مجتمعات وشعب أو شعوب وثورات، وتحظى من بين الثورات الأخرى بشيء من الفرادة والتميز. 
 

أما ثورة الإمام الحسين الشهيد فلها مميزات خاصة تميّزها عن جميع الثورات البشرية، ومنها: 


 1ـ المحدودية النسبية للزمان والمكان والأفراد: 


تتميّز ثورة الإمام الحسين بقصر الزمان، وضآلة المكان، وقلة العدد: فلا يكاد يصل زمانها لنصف يوم، ولم يمتدّ مكانها لأكثر من بقعة محدودة من أرض كربلاء، ولم يتجاوز عدد من حملوا فيها لواء الثورة ثلاثة وسبعين شخصاً أو يزيدون قليلاً. 
 
وعلى الطرف المقابل هناك حروب طحنت رحى الزمان: فحرب الوردتين دامت مئة عام، وحرب البسوس التهمت أربعين سنة، وحرب داحس والغبراء حصدت الأعمار في قبيلتي (عبس وذبيان) أربعين سنة. 
 
وهناك حروب وثورات تمددت على أرجاء المكان: فمعركة الفرس والروم التي ذكرها القرآن الكريم، وانتهت بهزيمة الروم: ﴿ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، امتدت من فارس إلى تركيا، ثم إلى خاتمة بلاد الشام، وحسرت مياه الدولة الرومانية في أضيق روافدها، فتقلصت إلى بعض إمارات شمال أفريقيا وروما. 
وفي سنة 199هـ قامت ثورة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن المحضّ بن علي بن أبي طالب، المشهور بـ (ابن طباطبا الحسني) و(ابن طباطبا العلوي)، وكان يدعو إلى الرضا من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وثار في الكوفة أيام المأمون، وأوكل جيشه إلى أبي السرايا (السريّ بن منصور الشيباني) الذي خرج من الكوفة بجيش كبير جرّار قوامه زهاء مئتي ألف وأكثر، وكان أحد أبرز طلائع هذه الثورة في الكوفة: إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وامتدت إلى الكوفة والبصرة ومكة واليمن، وأرقت عين الدولة العباسية، وأقضت مضجعها. 
أما الحربان العالميتان الأولى والثانية، فيحلو لكثيرين تسميتهما بالحربين العالميتين، والحربين الكونيتين؛ لأنّ سعير لظاهما امتدّ من الولايات المتحدة غرباً، إلى اليابان شرقاً. 
 
وأما من حيث الأفراد، فقد اكتظت حروب بضحايا أكثر مما ترشح عن أرض كربلاء: فالحرب العالمية الأولى انجلت غمتها عن أكثر من 22 مليون قتيل، والحرب العالمية الثانية زال كابوسها بعد أن طحن 70 مليون، دفعت روسيا وحدها 27 مليون قتيل، واليابان 2.8 مليون قتيل. 
 
2ـ عمق القيم وشمولها: 

ومع المحدودية الكمية من حيث الزمان والمكان والعدد، فإنّ ثورة كربلاء من بين جميع الثورات الإنسانية كانت ـ من الناحية الكيفية ـ الأعمق في القيم، والأشمل في المثل، والأبعد في الغايات، والأنزه في الوسائل، والأغنى في الشعارات، لقد ارتقت شأواً لم تستطع أن تبلغه أو تطاول هامته السامقة ثورة أخرى على طول أزمنة البشرية وتعدد أماكنها.  

لقد كان من بين قيمها الكثيرة: حفظ الدين والإسلام، والدفاع عن الحقّ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح والتغيير، والعدالة، والكرامة والعزة والإباء، والحرية، والإنسانية، ومواجهة الظالم والدفاع عن المظلومين، والسلم واللا عنف، وسمو الفكر والهدف، وتحريك العقل والوجدان، والبطولة والشجاعة والتضحية، والتسامح والإخاء، والشفافية والوضوح مع الأتباع والناس والأعداء، في الوسائل والأهداف والتعبير. 

وهذا ما يجعل الخطباء والكتاب ينتحون من نهرها الخضم دون نفاد، ويجعلهم مقتنعين أنّهم سيجدون لكلّ قيمة مثلى شاهداً من الحسين وخاصته، ولكلّ مثلبة ودناءة شاهداً من أعدائه، حيث يزيد، وابن زياد، وعمر بن سعد، وشمر، وأزلامهم. 
 
بينما الثورة الفرنسية التي قامت بين (1789ـ 1799م)، وأُعلنت فرنسا جمهورية في 21/ سبتمبر/ 1792م، ارتكزت على ثلاث قيم أساسية هي: «الحرية، والمساواة، والعدالة». وثورة مارتن لوثر كنج التحررية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ارتكزت على تحرير العبيد السود، والثورة البلشفية والمنشفية في روسيا، قيمتها الأساسية تكثفت في مواجهة الحكم القيصري وإحلال الاشتراكية. 
 
3ـ سعة التأثير الإنساني: 

والثورة الحسينية كانت الأطول حضوراً، والأوسع مدى، والأعمق أثراً، فهي الأطول مكثاً في العقلية الاجتماعية والضمير الإنساني، ودورها الكمي في طول الزمان وعرض المكان، والكيفي في نوعية القيم والوسائل؛ مستمر متجدد مع الأيام. 

لقد أثرت في كثير من الثورات: بدءاً من ثورة عبد الله بن عفيف الأزدي (61هـ)، وثورة التوابين (65هـ)، ومروراً بثورة المختار الثقفي (66هـ)، وانتهاء بثورة غاندي، والإمام الخميني (1399هـ). 
 
بينما امتدت أذرع الثورة الروسية لتؤثر في الصين، وترسم حركة ماو تسي تنغ، ثم إلى كوبا، وكوريا الشمالية، وسوريا وليبيا، والدول التي اعتنقت الفكر الاشتراكي. 
 
4ـ الفرادة والتميّز: 

إنّ ثورة كربلاء ثورة فريدة متميّزة رائدة، كفلت لها فرادتها الامتداد في الزمان والمكان والشعوب والقيم والعقل الاجتماعي والإنساني، وكتبت لها ما لم يُكتب لثورة أخرى كالثورة الأمريكية أو الفرنسية أو الروسية أو الصينية أو الفيتنامية أو الجزائرية. 

ولعلّ أهم عنصر وسبب لهذه الفرادة هو عظمة الرمز وسموه، المتمثل في الإمام أبي الأحرار الحسين بن علي ، وكونه سبط النبي محمد ، وخامس أهل الكساء، والإمام المعصوم، والمفترض الطاعة، يُضاف إلى عظمته الشامخة.. الطريقة البشعة الأليمة لمقتله والأحداث الجسام المروعة لكربلاء، والتي لم يجر نظير لها على رمز مثله في الأرض!!، الأمر الذي كان يجعل منه السلوة بفقد من قبله من المعصومين (الرسول، الأمير، الزهراء، الحسن)، وكون مماته كمماتهم جميعاً. 

وبشاعة المقتل الدامي وعظمة الأحداث في يوم كربلاء هي ما حدا بالإمام الحسن الزكي للقول: «لا يوم كيومك، يا أبا عبد الله»، وحدا بالإمام السجاد للقول: «ما من يوم أشدّ على الله ورسوله ـ صلى الله عليه وآله ـ من يوم أحد؛ إذ قُتل فيه عمه الحمزة بن عبد المطلب: أسد الله، وأسد رسوله. وبعده يوم مؤتة، قُتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب ـ عليه السلام . ولا يوم كيوم الحسين ـ عليه السلام ـ؛ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمة، كلّ يتقرّب إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بدمه، وهو بالله يذكّرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً«. 
 
5ـ الخلود والبقاء: 

لقد كانت كربلاء شعلة وقادة ومعلماً هادياً مذ بدأت، ولا زالت نجماً وضاء ونبراساً هادياً، وستبقى إلى يوم البعث، بل وفي محفل القيامة الذي تقدمه الزهراء بقميص الحسين المخرّق المدمّى؛ لتحاكم القتلة، وتنتصف منهم!! 

وقد تجاوز عمر واقعة كربلاء الآن ألفاً وثلاث مئة سنة، لكنّ أنهارها لا زالت متفجرة دفاقة، وشلالاتها لا زالت صاخبة هدّارة، ومروجها لا زالت نضرة مثمرة، وزهورها لا زالت شذية فوّاحة، وبلغت رقعتها كلّ بقاع الأرض، وألهمت الكثير من الثورات التاريخية والمعاصرة، الدينية وغير الدينية، المسلمة وغير المسلمة. 

إنّ كربلاء كانت ولا تزال وستبقى أكبر شمس عملاقة تنضح بالنور والحرارة والدفء والحيوية والطاقة. 

ومن بين أسباب خلود ثورة الحسين: ما تحلت به من خصائص وسمات ذاتية وقيم عالية ومناقب فذة، وما رفده بها أئمة أهل البيت من حرص راسخ على بقائها طوداً يناطح عوامل النسيان والطمس والإلغاء والتصفية، رفدوه بنشر أحداث كربلاء وظلاماتها، والدعوة لكتابة الشعر في الحسين، والبكاء والإبكاء عليه، وإقامة مجالس الإنشاد (النعي) فيه، وحضورهم فيها مباشرة، واستماعهم للناعين المفجّرين لقريحة البكاء الفجائعي الحزين المتقد أسى ولوعة على الحسين الشهيد، كأبي عمارة المنشد، وأبي هارون المكفوف، وجعفر بن عفان الطائي، وفضيل الرسّان، وعبد الله بن غالب، ودعبل الخزاعي.