محرّم والطاقات الشبابية

 

لا يكاد يهلّ هلال المحرّم بحلته الحزينة إلا وتتقاطر الألوف للمجالس الحسينية؛ لتستعيد المواقف الخالدة لكربلاء، وكم هي فرصة مؤاتية لبثّ الفكر الرسالي في هذه القلوب المهيّأة وجدانياً وعقلياً وعملياً لتلقي النمير الزلال، وتحميلها المسؤولية، وما علينا إلا عرض ذلك من خلال مُثلها المقدسة (أبطال كربلاء) بأسلوب مناسب فتّان، هناك حيث تتعانق قيم الحسين وقيم العباس وقيم الأكبر وقيم القاسم وقيم مسلم بن عقيل وقيم حبيب بن مظاهر وقيم الحرّ بن يزيد الرياحي وقيم سعيد بن عبد الله الحنفي وقيم جون مولى أبي ذرّ، مع بطولات زينب وأم كلثوم ورملة وسكينة، مع آهات الظمأ المفجعة من قلب الرضيع ورقية وأبناء مسلم بن عقيل.

وبعبارة مختصرة: هناك حيث تتعانق طموحات الكبار وطموحات الصغار، طموحات الرجال وطموحات النساء، طموحات الفتية وطموحات الفتيات وطموحات الأطفال.

وكثير من هذه الجموع التي تهبّ لمجالس الحسين هم في عمر الشباب: عمر الزهور النضرة، عمر الرياحين الميّاسة، عمر الطموحات الكبيرة، عمر الطاقات المتوهجة، عمر القوة المتفتقة في حياة الإنسان، ولا ينقصها إلا تحويل هذا (الاستعداد) إلى (قدرة)، وتحويل ما هو في بوتقة القوة والكمون إلى الفعل والتحقق والظهور.

وهكذا.. يمكن النفاذ من خلال العباس أو الأكبر، سكينة أو زوجة وهب، أو غيرهم من شباب كربلاء لمخاطبة جيل الشباب المعاصر، وإحلال قيم شباب الحسين العظماء في وجدان شباب مجتمعنا الغالين الكرام.

بلى.. يستطيع المنبر ذلك..، لكنّها فرصة مضيّعة قلّما استغلها خطيب!!، لاسيما أولئك الخطباء الذين يؤمنون بأنّ المحاضرة ما هي إلا كأس يُملأ بأيّ محتوى، ولو كان تجريدياً موغلاً في البُعد، ولو كان تاريخياً بليت عظامه، ولو كان سابحاً في بحر الخرافة والأسطرة، وليس بالضرورة أن يُسكب فيها زلال الرسالة وقيم النبوة والإمامة وحاجة المجتمع وآلامه وآماله، و"ما لله فيه رضا، وللناس فيه خير وصلاح"!!

يستطيع المنبر أن يأخذ دوره تجاه تفجير الطاقات الشبابية من نواح عدة، منها:

1ـ التوضيح النظري المفهومي.

2ـ خلق الظروف والأطر.

3ـ الدمج التطبيقي المصداقي.

فمن الناحية الأولى يبيّن المنبر مكنونات الطاقة الشبابية الهائلة، سواء أكانت في الجانب الروحي أم النفسي أم العقلي أم الجسمي أم....، يبينها في مشهدها التاريخي في شباب الحسين، وفي مشهدها المعاصر في شباب المجتمع، فهناك من لا يعرف القدرات، ولا يعرف أنّها متوفرة فيه، فلا يدري أنّ صوته جميل، أو أنّه إداري رائع، أو أنّه كاتب قدير، أو أنّه قائد محنّك، أو أنّه مبتكر مبدع، أو....

وفي الثانية يوفر المحيطَ المناسب لتلك الكفاءات، ويوفر (المحضن) و(البيئة الصالحة) لتلك الطاقات، ويقترح المشاريع الفردية والجماعية القادرة على استيعابها.

وفي الثالثة يشركهم عملياً في إنجازها وتحقيقها على أرض الواقع، ويشركهم في إدارة وتحريك سفينة المجتمع والعمل الاجتماعي.

إنّ كثيراً من الطاقات الشبابية تذهب هدراً، ويميناً وشمالاً، أو يُساء استغلالها؛ لعدم وجود القنوات الصحيحة القادرة على استقطابها وتفعيلها بشكل يضمن لها تحقيق الذات وخدمة الدين والمجتمع والإنسانية.


ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا: إنّ هؤلاء الذين تتراوح أعمارهم بين (15- 25)، والذين نصفهم بأنّهم (صغار) و(مراهقون)، هم العماد الحقيقي للعمل الديني والخدمي والاجتماعي، وهم العمود الفقري الفعلي لحركة المجتمع وبناء المجتمع وتغيير الواقع؛ إنّهم ـ غالباً ـ لم ينشغلوا بعد بزواج أو أسرة، وما زالت أوقاتهم وجهودهم ملكاً لهم، وما زالت تتقد في داخلهم شعلة النشاط والأمل وحبّ الإنجاز، وما زالت تغازلهم طموحات أكبر من المجرة وأوسع من الوجود!!