طبيب النفوس (27)

محمد حسن يوسف

 (سَلْ تَفَقُّهاً وَ لَا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً فَإِنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَعَلِّمَ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ وَ إِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ) (320/3)

في بلاغة لغة العرب يحمل السؤال أوجهاً عديدة، تارةً يكون استفهاماً يريد إجابةً، وأخرىٰ تعجباً، أو استنكاراً، أو تقريراً، أو غير ذلك. أمّا إذا ما كان السؤالُ تعنّتاً فإنه يفقد الأثر البلاغي ويتحوّل إلى "قلّة أدب".

من الآثار التي تركها لنا أمير المؤمنين عليه السلام الحثّ على التعلّم وضرورة الاستفهام والارتقاء بالنفس بالوعي وعدم الركون إلى الجهل. ورد عنه في كلامه لكميل تصنيف الناس إلى ثلاثة ارتكازاً على العلم (فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ).

في عبارته عليه السلام المتصدّرة أمرٌ لافتٌ للانتباه وهو نسبيّة المقام للجاهل والعالم اعتماداً على التواضع للعلم، فقد يرتقي الجاهل ليحوز سمة العالم وكذلك قد يهوي العالم لأسفل قاعٍ في الجهالة.

بلعم بن باعوراء -كما في الروايات الدينية- لم يكن من الجُهّال المتعنّتين في قوم موسى عليه السلام وإنما كان من العلماء وكان يملك من الآيات الشيئ العظيم ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ. يقول عليٌّ عليه السلام (رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَ عِلْمُهُ مَعَهُ لَا يَنْفَعُهُ).

التواضع للعلم ركيزةٌ أساسيةٌ للسموّ المعرفي والاستفادة من العلم، ولابدّ أن تكون مشفوعةً بالتقوىٰ للتكامل، وإلا فإنّ مهندسي الإبادة البشرية هم من العلماء لكنهم فقدوا التقوىٰ فأصبحوا وبالاً على الناس بدل أن يكونوا طوق النجاة لهم. يقول الشاعر:
لو كان في العلم من غير التقىٰ شرفٌ
لكان أشرفَ من في الأرض إبليسُ.

(اللَّهُمَّ قَدْ تَعْلَمُ مَا يُصْلِحُنِي مِنْ أَمْرِ دُنْيَايَ وَ آخِرَتِي فَكُنْ بِحَوَائِجِي حَفِيّاً).

رمضانكم عَلوي

                           محمد حسن يوسف
                             ٢٧ رمضان ١٤٤٧