طبيب النفوس (24)

محمد حسن يوسف

 (الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ) (3/3)

روي في التراث قصةٌ عن رجلٍ - قيل الشيخ ميثم البحراني وقيل الشيخ السوداني فرح ود تكتوك وقيل غيرهما - ذهب إلى مأدبة دُعي إليها وحضر بثيابٍ رثةٍ فمُنِع من الدخول ولما استبدلها بثيابٍ فاخرة رُحّب به فجلس ووضع كُمّ ثوبه في الطعام وقال العبارة الشهيرة "كُلْ يا كُمّي"، منتقداً بأسلوبٍ ساخرٍ تعظيم الناس للأغنياء وتحقيرهم للفقراء.

العوز المادّي ليس أسوأ آثار الفقر على الإنسان، فالأثر الاجتماعي قد يكون أكبر كابوسٍ يهدّد وجود الفقير وخصوصاً إذا ترعرع وعاش في مجتمعٍ يعبد المالَ وخُزّانَه. العزل والإقصاء القسري أو الاختياري والنظرة الدونية والاستهزاء، كلّها مباضع تشقُّ طريقها عشوائياً في روح ذلك الفقير، كما يصف الشاعر ذلك:
وتراه ممقوتاً، وليس بمذنبٍ
ويرى العداوة، لايرى أسبابها.

في عبارة أمير المؤمنين عليه السلام يبيّن واحدة التبعات النفسية للإقصاء الاجتماعي بسبب الفقر، بأسلوبٍ بلاغيٍّ فائق الدقّة والإيجاز. قد يصل الفقر باللبيب اللوذعي الألمعي إلى الانهزامية والشعور بالقزمة والصمت عن حقّه حتى وإن كان يملكُ تمام الحُجّة.

محاربة الفقر لابدّ أن تشمل محاربة آثاره الاجتماعية وتجريم الطبقية وتحريم إهانة الإنسان الذي كرّمه ربّ العالمين وكذلك المساواة في الفرص العلمية والعملية والتقديرية لكلّ فئات المجتمع. فعندّما ينشأ الفقير في بيئة تحتضنه وتحمل عنه تبعات فقره وبؤسه، بلا شكٍّ سيتحوّل من رقمٍ تائه في التعداد السكّاني إلى فاعلٍ أساسيٍّ في دفع عجلة التقدّم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصىٰ.

(اللَّهُمَّ إِنَّكَ ابْتَلَيْتَنَا فِي أَرْزَاقِنَا بِسُوءِ الظَّنِّ، وَفِي آجَالِنَا بِطُولِ الْأَمَلِ حَتَّى الْتَمَسْنَا أَرْزَاقَكَ مِنْ عِنْدِ الْمَرْزُوقِينَ، وَطَمِعْنَا بِآمَالِنَا فِي أَعْمَارِ الْمُعَمَّرِينَ).

رمضانكم عَلوي

                           محمد حسن يوسف
                            ٢٤ رمضان ١٤٤٧