طبيب النفوس (20)
(وَ تَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ وَ لَاتَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ) (53/2)
الاهتمام بصغائرِ الأمور على حساب كُبرياتِها آفةٌ من أكبر آفاتِ العلاقات البينية وكذٰلك دليلٌ على سوءِ الإدارة وقلّةِ الفطنة. وقد يُجرُّ الإنسان إلى ذلك دون أن يشعر.
في عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر النخعي لمّا ولّاهُ مصر بيّن أسلوبين مهمّين لا يقلّ أحدهما شأناً عن الآخر:
التغابي (التغافل)
ليس سذاجةً أو غباءً أن لايعطيَ الإنسانُ بالاً لحوادث وزلّاتٍ تقع هنا وهناك بل قد يكون هذا عين الحكمة ورأس المروءة. روي عن زين العابدين عليه السلام (صَلاحُ حالِ التَّعايُشِ وَالتَّعَاشُرِ مِلُ مِكْيَالٍ ثُلْثاهُ فِطَنَةٌ وَثُلْثُهُ تَغَافُلٌ)، كما يُنسبُ لعليٍّ عليه السلام (إن العاقل نصفه احتمال، ونصفه تغافل).
الفطنةُ مقرونةً بالعلم تضع ميزاناً لما يستحقّ التوقّف عنده وبذل الجهد والوقت في معالجته وصرف ما دونه، وبذلك تتوثق الصِّلات ونستقرّ الأمور وتنسابُ بسهولة. يقول أبوتمّام:
ليس الغبيُّ بسيّدٍ في قومهِ
لكنّ سيدَ قومهِ المتغابي.
وأدُ الوشاية
لا يبعُد الأمران عن بعضهما وكلّما كان التغافل حاضراً خاب مسعى الوشاة. العجلة في تصديق كل ما يُنقَل لا تورِثُ إلا ندامة، ومن ينُمُّ لك ينُمُّ عليك.
تعبيره عليه السلام (فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ) عميقٌ جدّاً للتفريق بين الناصح الحقيقي والواشي وقد يشتبه المصداق، فينبغي التبيّن - إن دعت الحاجة - بدرجة تقوىٰ وتوثيق الساعي وكذلك بذل الجهد في التحقّق من المنقول فربما يشتبه الأمر حتى على المؤمن المُتّقي. يقول الله عزّ وجل ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَسَدِّدْنِي لِأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ، وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ، وَأُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ، وَأُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إِلَى حُسْنِ الذِّكْرِ، وَأَنْ أَشْكُرَ الْحَسَنَةَ، وَأُغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ).
٢٠ رمضان ١٤٤٧





