طبيب النفوس (18)

محمد حسن يوسف

 (تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ) (31/2)

أكثر ما يكبّ الناس في النار على وجوههم حصائدُ ألسنتهم كما روي بأكثر من معنى في الموروث الإسلامي، ورُبّ كلمةٍ أورثت ندامة أو أوقدت حرباً كما قيل لدى العرب، ومما اتفقت عليه الكثير من الثقافات البشرية إذا كان الكلام من فضةٍ فالسكوت من ذهب. كلُّ ذلك يبيّن الخطورة الدنيوية والأخروية لنتيجة الكلام.

في وصية أمير المؤمنين لابنه الحسن المجتبى عليهما السلام أبانَ جنبة التدارك ما بين الصمت والكلام، إذ أن إصلاح الخطأ في حال الصمت وتداركه بالكلام أيسر وأكثر قبولاً لدى الناس من محاولة إصلاح الخطأ في حال الكلام إذ لايمكن تداركه بالصمت بل ويصعب تداركه بالكلام أيضاً.

الصمت الخاطئ يُنبئ عن حالة من الخذلان قد تكون لها أسبابها من الخوف والجهل وقد يُعذَر المرء في ذلك وإذا تغيّر الموقف بتغيّر الظرف أو بتنامي الوعي يكون محموداً وكما قيل (أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي).

أما الكلام الخاطئ "المُتَعَمَّد" فيُنبئ عن كِبرٍ نفسيّ وتعاونٍ على العدوان وجهلٍ مركّب، ومن الصعب العذرُ في ذلك حتى وإن تغيّرت المواقف وتبدّلت الظروف. الكذب والغيبة والبهتان والنميمة وشهادة الزور وإفشاء السر والفحش والشتم والسب وكشف عورات الناس تؤدي إلى فقدان الثقة وسقوط العدالة وقد تحتاج إلى عقود من الزمن لرأب الصدع وترميم الثقة. وقد قيل في الشعر العربي:
 وقد يُرجىٰ لجرح السيف برءٌ
ولا برءٌ لما جرح اللسانٌ.

أعاننا الله وإياكم على أنفسنا بما يعين به الصالحين على أنفسهم.

  ١٨ رمضان ١٤٤٧