طبيب النفوس (16)
(وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ وَ يُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ) (31/2)
من المواقف المخلَّدة في التاريخ عندما امتنع مسلم بن عقيل عن الاستمرار في تنفيذ خطة اغتيال عبيدالله بن زياد في دار شريك بن الأعور وذلك لحديث سمعه من عمه علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله (الإيمانُ قيدُ الفتك).
من أكثر ما يُقحِم في المأزق الأخلاقي عندما تكون الغاية المنشودة ساميةً لكنّ الوسيلة لتحقيقها تكون غامضةً أو مشبوهة، فماذا إذا كانت الوسيلة أصلاً دنيئةً وقذرة.
في وصية أمير المؤمنين لابنه المجتبى عليهما السلام تحذيرٌ من تمجيد الغاية دون الوسيلة، وكذلك يحذّر من قلب مصداق ومفهوم الخير اعتماداً على النتيجة دون السبيل.
في القرنين الماضيين ومنذ انتشار القراءات الاستشراقية ظهر توصيفٌ للإمام علي عليه السلام وتبنّاه بعض "المسلمين" ألا وهو "السياسي الفاشل". "ولعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت" كما يعبّرُ هو عليه السلام، لم يكن هدف عليٍّ عليه السلام أن يصل إلى الحكم أو أن يبقى فيه لأطول فترة ممكنة أو أن يكثَّر من بطانته وحاشيته. كان هدفه الوحيد الذي يُستقرأ من حياته هو ترسيخ المبادئ والقيم ولو كانت على حساب حياته. وهو القائل (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه)، وكذلك (وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم، ولكني لاأرى إصلاحكم بإفساد نفسي).
ما نحن مبتَلون به في أيامنا هذه انقلابٌ في المفاهيم ومحدِّدات المصاديق، فليس كل من راكم ثروةً أو ارتقىٰ منصباً هو ناجحٌ في حياته، والمال والبنون زينةٌ وفتنة وليسا خيراً مطلقاً، وطول العمر ليس دليلاً على الصحة والعافية.
هدف وجود الإنسان على هذه الأرض أن يكون خليفة الله عزّ وجل لا أن يفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل، فالله لا يحبّ الفساد.
(اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِعَفْوِكَ أَجَلِي، وَحَقِّقْ فِي رَجَاءِ رَحْمَتِكَ أَمَلِي، وَ سَهِّلْ إِلَى بُلُوغِ رِضَاكَ سُبُلِي، وَحَسِّنْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي عَمَلِي).
١٦ رمضان ١٤٤٧





