طبيب النفوس (13)
(قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَ لِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا وَ لِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلًا وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً) (192/1)
التحذير البالغ في القرآن الكريم من المنافقين لم يأتِ في صدد فئة كانت موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله واندثرت بتقادم الزمن، والتصوير بأن عبدالله بن أُبَيّ بن سلول هو رأس المنافقين تقزيمٌ للدور الخطير الذي مورِس ولا يزال يمارَس من قبل المنافقين على مدار التاريخ.
يحذّر أمير المؤمنين عليه السلام من المنافقين كما حذّر القرآن ويفصّل في وصفهم لأنهم أخفىٰ من أن يُعرفوا وأصعبُ من أن يُكشَفوا كما في قوله (وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ).
في العبارة المتصدرة من خطبته عليه السلام تتضح الخطورة الحقيقية من الحزب الشيطاني إذ أن إلمام المنافقين بالتفاصيل يجعلهم يموّهون ويشبّهون على المجتمع فيضلَّ دون شعور. وعندما ينحدر الوعي المجتمعي يصبح العقل أكثرَ قابليةً للاستخفاف وتصبح تجارة الزيف أكثرَ ربحاً من تجارة الحقيقة.
تفكيك العمل النفاقي ليس سهلاً لأنّه ليس باطلاً محضاً كما يُراد له أن يُصَوَّر، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، عندما يكون الباطلُ مغلّفاً بحقٍّ تكون الحاجة للمحكّ والمعيار ضرورة للتقييم والاختبار.
عندما نقف على هذه العبارة (وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً) تتضح الصعوبة في مجابهة النفاق، حيث يستغلّ المنافقون حاجة المجتمعات للخروج من المآزق بالترويج لحلولٍ وهميةٍ لكنّها تُطرح على أنها صادقة وناجحة إلى أن يتغلغل السُّقْمُ في أبدانها وتصل إلى الهلاك.
اللهمّ أرنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.





