طبيب النفوس (12)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَ الْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ) (201/1)
ممّا يميّز الإنسان عن باقي الكائنات الأرضية وعيُه بالموت ونهاية الحياة ورغبته في الخلود وشعوره بوجود عالمٍ ماورائيٍّ بعد الموت، كلّ ذلك يجعلُهُ قلقاً مضطرباً يحتاج لما يُطفئُ هذا الشعور ويؤسس لاتّزانٍ نفسيٍّ ويستبدل القلق بالسكينة والهلع بالرضا والخوف بالأمن.
يبيّنُ أمير المؤمنين عليه السلام الميزان الحقيقي للحياة الدنيا باعتبارها دار تزوُّدٍ وامتحان تعبر إلى دار قرار وجزاء. لايتعارض الطرح الديني في الزهد في الدنيا مع إصلاحها وبِنائها، فلا نجاة في الآخرة إلا بصلاح الدنيا. لكنّ المُهلك هو التكالب على الدنيا باعتبارها الهدف الوحيد للإنسان.
أظهرت الكثير من التجارب البشرية أن البحث عن تكوين معنى للحياة يرسّخ السلام الداخلي والاستقرار لدى الإنسان ويُساهم بقوة في تجاوز انتكاسات الحياة والتكيّف والتعافي، وليس هناك أعظم من الصبر والرضا دعائم لتأسيس معنىً للحياة.
أن تضع نصب عينيك الموتَ وما بعد الموت هدفاً للحياة سترتفع قيمتك في الدنيا والآخرة، ذِكرٌ خالدٌ لدى النّاس وقدْرٌ رفيعٌ لدى الله وما كان لله يبقىٰ.
أختم بقوله عليه السلام (أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا وَ لَا يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَ حُوسِبُوا عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَ أَقَامُوا فِيهِ).





