طبيب النفوس (11)
(حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا وَ لَا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لَا سَيْفُهَا وَ كَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً) (85/1)
قِصَر النظر وضعف الثقة بالله عزّ وجل يدفعان الكثير من الناس لعقد آمالهم وبناء توقّعاتهم على دوام الحال خيراً أو شراً وهم قد يردّدون دون اعتقادٍ أن "دوام الحال من المُحال".
يختصر أمير المؤمنين عليه السلام نظرة الناس العامّة لسلطوية بني أمية ومآلَها الدنيوي. الانهزام النّفسي الذي أورده عليه السلام من الممكن إسقاطه على أعتىٰ الإمبراطوريات عبر التاريخ. فلو عشنا في دولة الفراعنة لن نتخيّل أبداً انهيارها تحت يد الفرس تارة ويد الهكسوس تارة أخرى وهي في أوج هيمنتها. ولك أن تقيس على الباقي.
حتى في العصور المُتأخرة يمكن أن نرى مرحليّة الهيمنة لدى أعظم الدول كبريطانيا وإسبانيا والبرتغال وفرنسا حيث كانو يتقاسمون العالم ويتصارعون على غزوه والهيمنة عليه، لكنّهم فقدوا الآن أغلب ذلك تدريجياً بِدءاً بالموارد وانتهاءً باللغة.
إن الله عزّ وجل لا يُحابي أحداً وإن بسط الدنيا لأحدٍ فليس دليلاً على كرامته وإن قبضها عن أحدٍ فليس دليلاً على مهانته، فكلّ ذلك امتحانٌ أراده الله. وقد تكون النتيجة التي يريدها الإمهال قبل المحق ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
المؤمن يرى بعين الله عز وجل ويقرأ المصير الدنيوي استناداً على السُّنن الإلهية الكبرىٰ وعليها يبني آمالَه وتطلّعاته. وما أجلى من كلمة ابنة عليٍّ عليهما السلام الخالدة (فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَاللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها، وهل رأيُك إلاّ فَنَد، وأيّامك إلاّ عَدَد، وجمعك إلاّ بَدَد).





