طبيب النفوس (8)

محمد حسن يوسف

 (وَ غَارَ الصِّدْقُ وَ فَاضَ الْكَذِبُ وَ اسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ وَ صَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً وَ الْعَفَافُ عَجَباً وَ لُبِسَ الْإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً) (106/1)

من خطبةٍ عُنونت على أنها من خُطب الملاحم لأمير المؤمنين عليه السلام قد يخال القارئ أنها تخصُّ هذا الزمان دون غيره لما بها من إسقاطات عجيبة على الواقع المُعاش، لكن لو تأمّلنا في أنفسنا قليلاً وأعدنا قراءتها سنجد أنه عليه السلام لا يخصُّ زماناً بعينه وإنّما يشخّص أسباب النكوص المجتمعي ويلخّصها.

صحيحٌ أن الخطبة قد أشارت بشكلٍ ما إلى حكم بني أمية (رَايَةُ ضَلَالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا وَ تَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ قَائِمٌ عَلَى الضِّلَّةِ)، لكنّها أوسع من أن تكون محصورةً بها إذ أن رايات الضلال تحمل نفس الأثر في كل زمان ومكان.

انقلاب الموازين وتبدّل القِيم سمةٌ سائدةٌ من سِمات النكوص المجتمعي فيتحوّل الصدق إلى رذيلة والكذب إلى فضيلة والتآخي في الفجور والهجران في الدين ويُعظَّم الجهل والطغيان وتندُر العفة وينحدر الإنسان إلى الحيوانية.

العجيب في تشخيصه عليه السلام أنّ الحالة الدينية (الإسلام) قد لا تُلغىٰ وإنما تُلبَس مقلوبة وهذا أخطر من عمليات الحرب المضادة والمباشرة للدين، لأن انقلاب القيم لابدّ أن يصاحبه شرعنةٌ تضمن استمراره واستقراره، فإذا كان قتلُ الحسين عليه السلام شُرعِن بفتوىً دينية فكيف بباقي الانحرافات السلوكية والأخلاقية.

أجارنا الله وإياكم من مُضلّات الفتن ومن الزللِ على واضح السَّنن.