الحذر الخاسر والحذر الرابح (1)

الشيخ حسين آل نمر

        الحذر من طبيعة النفس البشرية ومن ضروريات الحياة التي لا غنى للإنسان عنها، وهو سلاح دفاعي يستخدمه الإنسان عند إحساسه بالخطر من خسارة شيء مهم بالنسبة له، وقد تكون أهميته حقيقية، أو وهمية. دنيوية أو أخروية.

        وتتعدد أشكال وأساليب الحذر وأهدافه؛ بتعدد أشكال الخطر المرتبط بالمصالح وبالثقافة – سليمة أو سقيمة - التي يحملها الإنسان؛ فلكل منا ما يخشاه ويحذره؛ فذاك يحذر من الخسارة الاقتصادية، وذاك من خسارة زعامته السياسية، وذاك من خسارة طاغوتيته وجبروته! وذاك من خسارة زعامته الاجتماعية، أو الثقافية، أو الدينية.. وذاك يحذر الموت، أو الإصابة الجسدية في حادث، أو سقوط، أو غرق.. وذاك يحذر من الفشل الدراسي.. وذاك من الفشل المهني.. وذاك يحذر من (فقدان دينه والإيمان الصادق بالله، ومن غضب الله سبحانه وتعالى وعذابه).

 ولننجح في الحذر؛ علينا أن نجيب على هذه الأسئلة وننتهج إجاباتها:

ما هو الحذر في القران الكريم، وما أنواعه؟

هل هناك حَذر رابح، وحذر خاسر؟

ما عاقبة كل نوع من الحذر؟

هل يأتي الحذر من تلقاء النفس، أو من تنبيه الآخرين؟

هل ينبغي دائما الإصغاء لتحذير الآخرين؟

ما الذي يجب الحذر منه؟

من هو الذي يُوفق للحذر الرابح، ومن الذي يقع في الحذر الخاسر؟

         عند محاولة فهم الحذر (1) من خلال تلمس الآيات القرآنية سيتبين لنا أنه: محاولة تجنب الخطر خوفا من فقدان مصلحة دنيوية أو أخروية، ورغبة للحصول على الأمان؛ عبر القيام بسلوك عملي يُخَلِّص من الخطر؛ كالذين خرجوا من قريتهم التي أصيبت بالطاعون تجنبا للموت ودفاعا عن مصلحة الحياة؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ( البقرة/243) (2).

        وقد قسم القران الكريم الحذر إلى نوعين وقام بتوضيح كل نوع، وهما: 1- الحذر المذموم (الخاسر). 2- الحذر الممدوح (الناجح).

  •  أولاً- الحذر المذموم (الخاسر):

 ممن يصدر الحذر المذموم؟

        يصدر الحذر المذموم من: المؤمن العاصي، أو الكافر، أو الطاغوت، أو المنافق. وقد يصدر من النفس، أو من تحذير الآخرين للإنسان.

حذر المؤمن العاصي

        كثير من المؤمنين يعصون الله سرا؛ خوفا من انكشاف أمرهم للآخرين حياء وخجلا وحفاظا على سمعتهم، لكنهم يغفلون أو يتغافلون أن الله محيط بمعاصيهم مهما تشددوا وحرصوا على كتمانها وسَترها عن الآخرين. وهنا يجب أن يتوجه حذرهم إلى الحذر من الله سبحانه وتعالى الذي لا يخفى عليه شيء والعالم بما في النفوس، والذي سيعاقبهم ويكشف ما أخفوه وستروه من معاصي أمام الخلق في المحشر؛ إن لم يتوبوا إليه سبحانه تعالى؛ لهذا يجب على المؤمنين أن يتذكروا دوما الرقابة الإلهية المحيطة بهم باستمرار؛ فلا يعصوا العليم البصير سبحانه وتعالى، وإن عصوه سبحانه وتعالى عليهم المبادرة فورا إلى التوبة؛ فإنه غفور رحيم جل جلاله وعز شأنه.

        يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (البقرة/ 235).

 انتظروا بقية الموضوع في الجزء القادم

]1[ معنى الحذر اللغوي: جاء في معجم لسان العرب: الـحِذرُ والـحَذَرُ: الـخيفة. حَذِرَهُ يَحْذَرُهُ حَذَراً و احْتَذَرَهُ؛ الأخيرة عن ابن الأعرابـي، وأَنشد: قلتُ لقومٍ خَرجُوا هذالِـيلْ: احْتَذِرُوا لا يَلْقَكُمْ طَمالِـيلْ

ورجل حَذِرٌ وحَذُرٌ وحَاذُورَةٌ وحِذْرِيانٌ: متـيقظ شديد الـحَذَرِ والفَزَعِ، متـحرّز؛ وحاذِرٌ: متأهب مُعِدٌّ كأَنه يَحْذَرُ أَن يفاجَأَ؛ والـجمع حَذِرُونَ وحَذَارَى . الـجوهري: الـحَذَرُ والـحِذْرُ التـحرّز.



]2[ حديث الإمامين الصادقين (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فقال: « إنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعين ألف بيت ، كان الطاعون يقع فيهم في كلّ أوان، وكانوا إذا أحسّوا به خرج الأغنياء لقوّتهم، وبقي الفقراء لضعفهم، فيقلّ الطاعون في الذين خرجوا ويكثر في الذين أقاموا، قال: فاجتمع رأيهم جميعاً أنّهم إذا أحسّوا بالطاعون خرجوا من المدينة كلّهم، فلمّا أحسّوا بالطاعون خرجوا جميعاً وتنحّوا عن الطاعون حذر الموت، فساروا في البلاد ما شاء الله.
ثمّ إنّهم مرّوا بمدينة خربة قد جلا أهلها وأفناهم الطاعون، فنزلوا بها فلمّا حطّوا رحالهم قال لهم الله: موتوا جميعاً، فماتوا من ساعتهم، وصاروا رميماً وكانوا على طريق المارّة، فجمعوهم في موضع فمرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فلمّا رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال: ربّ لو شئت لأحييتهم الساعة كما أمتّهم فعمّروا بلادك، وولدوا عبادك، وعبدوك مع من يعبدك من خلقك.
فأوحى الله إليه أفتحبّ ذلك ؟
قال: نعم يا ربّ فأوحى الله إليه أن قل كذا وكذا، فقال الذي أمره، إلى أن يقول ... قال أبو عبد الله (عليه السلام): وهو الاسم الأعظم، قال: فلمّا قال حزقيل ذلك الكلام ونظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض، فعادوا أحياءاً ينظر بعضهم إلى بعض، يسبّحون الله ويكبّرونه ويهلّلونه.
فقال حزقيل عند ذلك : أشهد أنّ الله على كل شيء قدير » الإيقاظ من الهجعة : ص113 ح1 و2 و9.