ذلك اللون الأسود

 للوجود ابداعات عدة، من ابدعها: تباين الالوان وتعددها!!

فيا ترى كيف ستكون صورة الوجود لو كانت بلون واحد او بالابيض والاسود؟!

تكاد تكمن جمالية كل شيء في لونه... ولكل لون دلالته التي تلقى على الاشياء بظلالها وتتفرد بمعناها.

والنفس الانسانية تتكامل بقدرتها على ترجمة تلك الالوان الى واقعيات روحية تتفاعل معها وتسمو بها لترسم في النهاية لوحة الخلود.

في تركيبتنا المعرفية الموروثة الكثير من الاشكاليات التي بحاجة الى اعادة النظر واعادة الصياغة والتركيب ... منها نظرتنا الى الالوان!!

فكثيرا ما نسمع من الاخرين وتحديدا من المرأة كلمة (اليوم الاسود)!

فتراها تلقي باللوم على اليوم الاسود في كل ما يمر بها من احداث وتداعيات لمواقف قد اتخذتها في حياتها، وكأن التقصير كله يقع على ذلك اليوم الاسود المسكين الذي اخذ منها الحلم والامل ورسم لها المصير في حالة من التنصل للارادة والاختيار ولدورها في صناعة الحدث المرتبط بمسيرة حياتها.

وتراها حينا آخر تجمع المال والذهب لاجل اليوم الاسود الذي قد ياتي به الزمن يوما ما!!

ولكني لم ارها يوما ما تتسلح بالعلم والمعرفة والوعي وتجاهد قدرها حتى تنتصر على اليوم الاسود الذي قد ياتي يوما ما!!

يا ترى ما هي فلسفة اليوم الاسود في موروثنا الفكري المتغلغل في نسجينا الاجتماعي والمعرفي والمتحكم في الكثير من رؤانا؟!

ما هي ميزة اللون الاسود على غيره من الالوان ليكون هو اللون المفضل؟

اظن بان هذه الرؤية الخانعة السوداوية للامور والحياة بصورة عامة لم تاتي من فراغ... انما هي نتاج طبيعي لما حكم افكارنا منذ عقود من الزمن ونشآنا عليه سنين طويلة... هو حصيلة جهود اريد لها ان تغرس غرسها في ارضنا لتجعل منا امة متكاسلة خانعة مستسلمة لاقدارها راضية بما يجري عليها، قادرة على ان تفلسف خنوعها وفشلها بالقاء التبعات على الزمن النحس واليوم الاسود ...

اعتقد اننا بحاجة الى اعادة نظر في بلورة التركيبة المعرفية والاجتماعية والفكرية لما يدور حولنا، لان هذه الافكار - وغيرها- المتغلغة في اعماقنا هي حلقة من سلسلة حلقات اريد لها ان تقيد حركتنا وتشل ارادتنا لنمسي من فئة المتفرجين الخارجين عن مسرح الاحداث التي تحاك لنا وتصنع لنا وتعرض لنا لنعيشها ونتمرس فيها كل يوم ونحن نلعن القدر والزمن واليوم الاسود. وهذا هو الارهاب الذي مورس بحقنا منذ دهور ليصل الى قمة كماله في اللون الاحمر المسال على قارعة طريقنا كل يوم.

لذلك فمقارعتنا للارهاب تتخد صور واشكال عديدة، واظن ان اهمها تجديد نظرتنا الواقعية لكل ما يحيط بنا، ومن ذلك علاقتنا بالالوان الجميلة التي ابدعها الخالق ليضفي جمالا الى جمال الكون وسحرا الى سحره... فلا يوجد يوم اسود ولا زمن اسود، فاليوم ابيض وهو يولد من رحم السواد ... نحن الذين نضفي عليه اللون الذي نريد.

 

مديرة منظمة بنت الرافدين ـ بابل