جلسة قرآنية

نحو الفقاهة بالقرآن الكريم

الشيخ قاسم أل زبيل

روي أن رجلا جاء الى النبي   فقال: علمني مما علمك الله؛ فدفعه الى رجل يعلمه، فعلمه إذا زلزلت - حتى إذا بلغ - "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"  قال: حسبي؛ فأُخبر النبي، صلى الله عليه وآله، : دعوه فإنه قد فقه» [تفسير القرطبي]

هذا الرجل حجة علينا جميعاً، جلس جلسة مع القرآن فحاز على شهادة من عند رسول الله أنه فقيه، -وليس هنا الفقيه بالمصطلح المعروف أنه حائز على درجة الاجتهاد بل تعني أنه صاحب بصيرة-.

كيف وصل هذا الرجل إلى مستوى يقول عنه رسول الله أنه فقيه؟

أغلبنا قد قرأ الآيتين واستوعبهما ولعل البعض قد تدبّر فيهما لكن المهم بعد هذا كله هو أن تكون البصيرة التي نأخذها من الآيات القرآنية نصب أعيننا.

نصب أعيننا أي نكون دائموا التذكّر لقيمة البصيرة من الآية فلا نقدّم شيئاً عليها من ضغوط الهوى والشهوات المقابلة للبصائر القرآنية، وهذه الصفة -وهي التذكر- صفة يؤكّد عليها القرآن ويمدح بها أصحاب العقول (أولي الألباب)؛ فكذا مرة نقرأ في القرآن (إنما يتذكّر أولو الألباب)، مثلا قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)[سورة الزمر 9].

فقيام الليل الكل منا يعرف ثوابه العظيم وآثاره في الدنيا قبل الآخرة ولكن من الذي يقوم الليل هو ذاك الذي يتذكر قيمة قيام الليل فلا يقدم لذة النوم والخلود للراحة على ما تيقنه من الثواب الجزيل.

كذلك هذا الرجل الذي شهد له رسول الله بالفقاهة جعل من بصيرة الآيتين نصب عينيه يتذكرها في كل حين وهي أن كل صغيرة وكبيرة في حياته أما له أو عليه، وبذلك يكون صاحب رؤيا وبصيرة يلتزمها في حياته هذا هو معنى أن تكون فقيها بالقرآن.


والقرآن يخبر عن نفسه أنه ميسّر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)[سورة القمر 17]
فهو ميسّر  لكل أحد إذاً. فقط ما على المؤمن إلا أن يقرر مع نفسه أن يصل إلى مستوى أصحاب العقول الذين لا يقدمون شيئا من حطام الدنيا على البصائر القيّمة التي تهدي إليها آيات الذكر الحكيم.

وآية تختصر الجلسة كلها: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ...) تلك الضغوط التي يواجهها المؤمن عند عمل الخير أو اجتناب الشر (تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [سورة اﻷعراف 201]

 تذكروا هدى الآيات والبصائر التي تهدي إليها فإذا هم مبصرون متيقنون فيكون لهم دافع وعزيمة نحو العمل بما تهدي إليه الآيات القرآنية.