العلامة الحبيب : مع أسرتك تجدين الحل

شبكة الحبيب
  •  تمهيد

لماذا تلجأ بناتنا إلى الآخرين لمناقشة مشاكلهن بالرغم من أن البعض منها يحمل خصوصية أسرية أو شخصية؟

ولماذا يتمكن بعض الشبان من الوصول إلى داخل حصن الأسرة والتحدث في خصوصياتها أو خصوصيات أحد أفرادها؟

لا شك أن أرباب الأسر يتحملون القسط الأكبر في تسرب الخصوصيات إلى الخارج أو تسلق الخارج إليها، والسبب هو أن أفراد الأسرة (بنات أو بنين) لم يجدوا القلب المفتوح والصدر الرحب والحضن الدافئ ولذا اضطروا لأن يخرجوا إلى الخارج أو أن يكونواً صيداً سهلاً لأرباب الشباك المهترئة.

ونحن هنا لا نريد أن نبرر ما يفعله أبنائنا وبناتنا وإنما نريد أن نقف وقفة شجاعة فنعترف بتقصيرنا أو قصورنا ومن ثم نصحح ما نحن فيه إلى ما هو أفضل وأصلح.

ومن جانب آخر أبنائنا وبناتنا هم من يتحملون المسئولية أيضاً، وعليهم أن يحافظوا على خصوصياتهم وأن يكونوا حذرين كي لا يقعوا فريسة لهذا أو ذاك.

ولعل المرحلة الأولى التي ينبغي أن نسير فيها هي تمتين الروابط داخل الأسرة وعدم الانشغال بتلبية الحاجات المادية وترك سواها وإشاعة الحوار والحب والحنان داخل الأسرة، ومناقشة مشاكل أفراد الأسرة بقلب واع وعقل منفتح بعيداً عن العصبية والفوقية.

وعلى الأبناء أن يلعبوا دوراً مهماً في تقدم الأسرة بهذا الاتجاه فمع ارتفاع نسبة التعلم والثقافة والتدين لدى الأبناء أصبحوا مؤهلين لأن يقوموا بدور إيجابي ومؤثر داخل أسرهم، فتمتع بناتنا بالعلم والحكمة والهدوء والرزانة والمحبة والتقدير والاحترام وقبل ذلك وبعده الثقة بالنفس والإيمان بضرورة التغيير.. كل ذلك يفرض على فتياتنا لأن يقمن بدور فاعل وإيجابي داخل أسرهم، وبالتأكيد ليس في مجال التسوق والزيادة في تلبية الحاجات المادية وإنما في موارد النقص التي تشكوا منها أسرنا والتي تدفعها للقفز إلى خارج الأسرة كمحاولة لإيجاد حل لما تعانيه من مشكلات نفسية أو عاطفية ...

وبكلمة: ينبغي لكل بنت من بناتنا أن تعي جيداً أن الحل لا يكون إلا من داخل الأسرة، وأن بمقدورها أن تسهم وبشكل فعال في تفعيل دور الأسرة على هذا الصعيد.

  •  قبل البدء

 لا شك أنك تدركين جيداً مكانتك التي لا تقدر بثمن لدى أسرتك وخصوصاً عند أبويك الحنونين، لأنك جوهرة ثمينة نادراً ما تتكرر، بل ربما لا تتكرر.. فأنت الحسنة(1) التي مَنَّ الله بها على والديك، وأنت الحاضر المزدهر بالنبل والطهر والعفاف... والمستقبل الواعد بالكرامة والعدالة والحرية، أنت غداً أو بعده الزوجة المتقنة لحسن التبعل(2)، أنت في المستقبل من تنجبي(3) الأبطال والنبلاء، وتربي العلماء والعظماء، أنت.. وأنت .. وأنت الأس والأساس في بناء طالما تطلعنا له وعملنا من أجله، فأنت وإلى جانبك الرجل (الجد، الأب، الأخ، الزوج) تبني:

1. الإنسان الرسالي المطيع لله ولرسوله ولأهل بيته.

2. الأمة المؤمنة التي قدم من أجلها الرسل ، والأئمة ، والمصلحون طوال التاريخ كل غال ونفيس، وعملوا لتكوينها وبنائها.

3. الحضارة الإسلامية التي بناها الآباء والأجداد وضيعها الجهال وأصحاب المطامع والشهوات. ثقي بنفسك وقدراتك: أنت يا عزيزتي تمتلكين الكثير الكثير من المواهب والقدرات والطاقات، وما عليك إلا أن تكتشفيها وتعملي على تنميتها وتطويرها، فهي مفتاح شخصيتك، والمدخل إلى المكونات الأصيلة التي تصوغ هذه الشخصية المعدة لحمل الأمانة (4).

وأنى لك ذلك إذا لم تثقي بنفسك ولم تعترفي بقدراتك ولم تكتشفي طاقاتك؟

أنى لك حمل الأمانة إذا لم تتمتعي بشخصية إيمانية صلبة تسير حيث يأمر الحق وتقف حيث ترى الباطل؟

أعتقد أنك يا عزيزتي بما تحملين من وعي لما يدور حولك أنت.. وحول مجتمعك وأمتك، وبما تحملين من ثقافة رسالية أصيلة، وولاء لمحمد وآل محمد ولمن سار على نهجهم من العلماء الربانيين .. أنت قادرة على صياغة شخصيتك كما أرادها الله وللدور الذي أراده الخالق لها.

 

  • العقل والرسالة والاختيار

العقل(5) والرسالة(6) والقدرة على الاختيار(7) نعم إلهية كبرى أنعم الله سبحانه وتعالى عَلَّيَّ وعليك وعلى بني البشر كافة، وعليك أن تتعاملي معها كما أراد المنعم جل شأنه.

وعليك أن تعلمي أن التفريط في أي منها يعني الانحدار نحو الهاوية، بينما التمسك بها يزودك بالحكمة في التعاطي مع الحياة وضغوطاتها، والصلابة أمام الشهوات والأهواء وشباك الشيطان الرجيم وجنوده.

  •  ضغوط الحياة

أنت وأمثالك من الفتيات يتعرضن لضغوط شتى وخصوصاً في عمر التكامل والسير نحو النضج والرشد، وهنا محل الابتلاء والاختبار والامتحان... إنني واثق من أنك قادرة على تجاوزه بيسر وسهولة، وواثق أيضاً أنك ستحققين أعلى المراتب وستأخذين التفوق بجدارة.

ألست أنت المعتصمة بحبل الله؟ وقد قرر الباري عز وجل أن الاعتصام به سبحانه يهدي إلى صراط مستقيم لا محالة.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(101)سورة آل عمران

و ألست أنت المؤمنة بالله؟ إذاً فتأكدي أنك محظوظة جداً.. لأنك دخلت في دائرة الفلاح والنجاح.

قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(9) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(11) سورة المؤمنين.

ومن يكون حالها كذلك فعليها أن تعلم علم اليقين أن ضغوط الحياة لو اجتمعت كلها فلن تأخذ منها شيئاً، ولن تثنيها عن طريق الحق والهدى والرشاد.

إن من تتسلح بالإيمان وتنتهج الحق وتتوكل على الله وتثق بإرادتها وقدرتها على مواجهة الصعاب والضغوطات فإن سلطانها النابع من سلطان الدين هو الأقوى دائماً وهو المنتصر.

وحينها تتراجع الضغوطات، وتتقهقر الملذات والمغريات، ويولي الشيطان الدبر معلناً عجزه من أن ينال من مؤمن أو مؤمنة.

قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ(43) سورة الحجر.

  •  مشكلتك حلها داخل الأسرة

 ابنتي العزيزة

أنا واثق أنك تعيشين بين والدين حنونين عطوفين، عملا من أجل إسعادك، وتعبا من أجل راحتك، وسهرا من أجل أن لا يطالك مكروه، وبذلا كل ما في وسعهما من أجلك أنت.. ومعك أخوتك وأخواتك.

وأنا واثق أيضاً أنك أنت تكنين لهما كل المودة والمحبة وخالص الاحترام امتثالاً لأمر الله القاضي بوجوب احترامهما والإحسان إليهما.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً(24) سورة الإسراء.

وهذا العلاقة الحميمية المظللة بالحب والعطف والحنان والاحترام ينبغي أن تكون المرجع لمعالجة أي مشكلة والدواء الشافي لأي ألم يصاب به أي فرد منها.

فليس صحيحاً اللجوء إلى خارج الأسرة بحثاً عن حل لأي مشكلة قد تعترض طريقك، فأسرتك (والديك وأخوتك وأخواتك) هم الملجأ والسند حين تشعرين بأي ضائقة، فلا تترددي في طلب العون منهم لحل أي مشكلة، أو معضلة، ولا تتحرجي في الحديث معهم عن كل ما يدور في خاطرك من طموحات وآمال، ضغوطات وآلام.. المهم هم وحدهم وليس غيرهم من تلجئين لهم في شئونك الخاصة.

وكلي ثقة بأنك كذلك في الكثير من الأمور إلا أن بعضاً منها ولدواع ربما يكون البعض منها معقولاً يتسرب إلى خارج الأسرة فتسير عملية الحل خارج إطار الأسرة مما يضيف مشكلتين جديدتين لصاحب المشكلة!! أولاهما: نفسية؛ حيث يعيش صاحب المشكلة القلق والخوف من الانكشاف للأسرة. وثانيهما: عائلية؛ فمع الانكشاف يسبب للأسرة الكثير من المتاعب والإحراج، وربما آل الأمر إلى انعدام الثقة بين صاحب المشكلة ووالديه.

والنتيجة أضفنا إلى مشكلتنا مشكلة أخرى أو مشكلتين!!.

وأعتقد أن هذا ليس هو ما تسعين إليه، بل وليس ما ترجينه وتتأملينه. أليس كذلك؟

إذاً يجب أن تكون معالجة المشاكل والآلام كلها داخل إطار الأسرة المفعم بالمحبة والحيوية والحنان.

وأجزم أنك توافقين على ذلك وتتفقين معه ولكنك تتساءلين:

1. أين خصوصيتي؟ ألست قد وصلـت إلى مرحلة النضج وأصبحت مكلفة شرعاً ومحاسبة على جميع ما أعمل في الدنيا والآخرة؟ إذاً ينبغي أن تراعى خصوصيتي؟

2. إذا لم يتفهما والداي ما أعاني من مشاكل (كما هو حال الكثير من الآباء والأمهات)ماذا عساني أن أفعل؟ خصوصاً وأن البوح لهم بمعاناتي يسبب لي الكثير من المشاكل بل ربما تعرضت للإهانة والعقوبة فماذا أفعل؟

الجواب على السؤال الأول

1. إن اللجوء إلى الوالدين ليس انتقاصاً لك .. بل هو تقوية لوجودك وتحقيق لما تعجزين عنه ولكن بمساعدة الأهل بدلاً من مساعدة الغير.

2. أيا كان هذا الغير فلن يكون أخلص لك ولا أشفق عليك من أبويك وسائر أفراد أسرتك.

3. الغير قد يكون مخلصاً، وقد يكون من ضعاف النفوس (من أي شريحة في المجتمع) مما قد يوقعك فيما لا يحمد عقباه، والشواهد على ذلك كثيرة شائعة معلومة.

لذلك تبقى الأسرة هي الإطار الآمن للإطلاع على خصوصياتك، وغيرها لا تخلوا من مخاطر ومشاكل.

الجواب على السؤال الثاني

1. حددي السبب في عدم التفهم، وحاولي معالجته بطريقة ذكية مثلاً: اهدي لأبيك أو لأمك كتاباً يتحدث عن مشاكل الفتيات وطرق معالجتها، أو تحدثي مع الأقربين لهم لحثهم على الحور معك من دون أن تبيني المشكلة لهم.

2. ومع عدم الفائدة تحدثي مع الأقرب فالأقرب إذا كان مؤتمناً على السر وقادراً على معالجة المشكلة.

3. ومع عدم الفائدة الجئي إلى من ترين فيه الصلاح والقدرة على معالجة مشكلتك، ولكن يجب أن لا يكون سراً بينكما بل اطلبي منه أن يشرك والدك أو أحداً من محارمك.

 

  • تأخر الزواج

 ابنتي العزيزة

اعلمي وفقك الله للسعادة أن الإنسان قد فطر على جملة من الغرائز والعواطف والأبرز الأقوى منها الغريزة الجنسية، وواضح أن انجذاب كل من الرجل والمرأة إلى بعضهما البعض وشدة تأثير كل منهما على الآخر تكشف عن حكمة الباري عز وجل في التناسل وتعمير الأرض.

والزواج هو القناة الصحيحة والسليمة لإشباع هذه الغريزة، ولذا جاءت النصوص الدينية(8) للحث عليه والإبكار فيه، وتنهى عن التعقيد(9) كالمبالغة في المهر والشروط الأخرى.

  •  الزواج الدائم

1. ليس عيباً أن تطلـب البنت الـزواج من أهلها، كما أنه ليس عيباً أن يبحث الآباء لابنتهم زوجاً صالحاً. وإن كان هذا وذاك من المحرمات العرفية، إلا أنه لا ضير فيه خصوصاً مع عجز العرف عن علاج الكثير من المشكلات المستفحلة المرتبطة بهذا الشأن.

2. مع تنامي ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا ينبغي تخفيض الشروط العرفية وإيصالها إلى الحد الأدنى المعقول.

لذا فإنك أنت أولاً مطالبة بتخفيض شروطك، كما أن أسرتك هي الأخرى مطالبة أيضاً بتخفيض الشروط.

3. الدعوة إلى الإسراع وعدم التعقيد ليست دعوة إلى التسيب في أمر التزويج، بل الحكمة في التزويج. ونعني به التساهل والتشدد المنضبط بقواعد الشرع والعرف المسئول.

4. عليك وعلى الآباء أن تتوقفي عند ظاهرة فسخ العقود!! أو الطلاق في الأشهر الأولى من الزواج!! فهي ظاهرة خطيرة تنم عن خلل في مقدمات الزواج.

لذا عليك أن تتعرفي على تلك الأخطاء كي لا تقعين فريسة لها، وإذا كنت لا سمح الله واحدة ممن وقعن في هذا الخطأ فعليك أن تقفزي على الفشل مع أخذ العبرة والعظة منه كي لا تقعي فيه مرة أخرى إن شاء الله.

  •  الزواج المنقطع

مع ضغط الغريزة قد يروق لبعض الفتيات التخفيف من حدتها أو إشباعها عن طريق الزواج المؤقت، وهو طريق شرعي حاله حال الزواج الدائم وإن اختلف في بعض التفاصيل المذكورة في كتب الفقهاء.

ولكن عليك أن تلتفتي إلى عدة أمور:

1. ورد في الصحيح عن الإمام الرضا أنه قال: ﴿الْبِكْرُ لاَ تَتَزَوَّجُ مُتْعَةً إِلاَّ بِإِذْنِ أَبِيهَا(10)، وسأل الإمام الصادق عن المتعة؟ فقال :﴿إِنَّ أَمْرَهَا شَدِيدٌ فَاتَّقُوا الْأَبْكَارَ(11) إلى هاتين الروايتين وغيرها أفتى الفقهاء بوجوب أخذ الإذن من الأب على تفصيل يطلب من محله.

علماً بأن تمتع الأبكار في الواقع الاجتماعي قد يخفف ضغط الغريزة لفترة محدودة إلا أنه سيخلف آثاراً نفسية ضاغطة تتمثل بالخوف والقلق المقترن بهذا الزواج، بل قبله وبعده أيضاً، وربما خلف آثاراً اجتماعية أو عائلية سيئة إذا ما انكشف الأمر (ولو بعد التوفيق في زواج دائم) وأصبح في عهدة الألسن التي تتغذى على مثل هــذه الأخـبار، مـع ما يصاحبـها من الزيادة والتضخيم تحت ذريعة (البهارات) أو من ضرورات المخرج.

2. زواج المتعة زواج صحيح ثابت في الشريعة الإسلامية، إلا أن جملة من روايات أهل البيت يظهر منها التوجيه بالابتعاد عن مثل هذا الزواج خصوصاً لمن ليس له حاجة فيه.

سأل علي بن يقطين الإمام الرضا عن المتعة فقال :﴿مَا أَنْتَ وَذَاكَ قَدْ أَغْنَاكَ اللَّهُ عَنْهَا (12)

وقال الإمام الصادق:﴿دَعُوهَا أَمَا يَسْتَحْيِي أَحَدُكُمْ أَنْ يُرَى فِي مَوْضِعِ الْعَوْرَةِ فَيُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى صَالِحِي إِخْوَانِهِ وَأَصْحَابِهِ(13).

3. زواج المتعة وإن كان جائزاً في أي وقت وعلى كل حال إلا أن بعض الروايات يظهر منها التوجيه للتعاطي معه كحالة استثنائية. سأل الإمام الرضا عن المتعة فقال:﴿هِيَ حَلاَلٌ مُبَاحٌ مُطْلَقٌ لِمَنْ لَمْ يُغْنِهِ اللَّهُ بِالتَّزْوِيجِ فَلْيَسْتَعْفِفْ بِالْمُتْعَةِ فَإِنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِالتَّزْوِيجِ فَهِيَ مُبَاحٌ لَهُ إِذَا غَابَ عَنْهَا(12).

4. لكي يكون زواج المتعة حلاً لمشكلة ينبغي أن لا يكون خارجاً عن علم الأسرة، وعلى الأسرة تفهم حاجيات الأبناء والبنات والإسهام الفعال والإيجابي لإيجاد الطريق المناسب لإشباع تلك الحاجات.

وربما كان الخوف والخجل حائلاً دون ذلك.

وهذا وإن كان صحيحاً إلا أن الأصح هو أن السير في الطريق الواضح الخالي عن المنزلقات هو العلاج الناجع لما تعانيه من مشكلات.

5. ضبط الغريزة وإن كان يورث الألم ابتدءا إلا أنه وبالتدريج علاج فعال، وهو بالإضافة إلى ذلك يصون شخصية الإنسان وقدره ومكانته، وقد ورد عن الإمام علي قوله: ﴿من حصر شهوته صان قدره(15).

والحصر هنا لا يعني انعدام الشهوة وإلا لما وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم في مقام مدح نبي الله يحيى .

قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ(39)سورة آل عمران.

وإنما تعني: ضبط مقدماتها وزمانها وأسلوب إشباعها، والتحلي بالصبر حتى اكتمال حلقات الإشباع الأفضل والأكمل والأتم، على أن لا يتجاوز ذلك حداً لا يطاق أو غير منسجم مع السنن الطبيعية والأعراف الاجتماعية.

(1) إشارة إلى ما روي عن الإمام الصادق: ﴿الْبَنَاتُ حَسَنَاتٌ وَ الْبَنُونَ نِعْمَةٌ فَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى الْحَسَنَاتِ وَ يُسْأَلُ عَنِ النِّعْمَةِ . الكافي ج 6 ص 6.

(2) ورد عن النبي9: ﴿جِهَادُ المَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ. مستدرك‏ الوسائل ج 8 ص 8.

(3) ورد عن رسول الله9 قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ نِسَائِكُمُ الْوَلُودُ. وسائل‏الشيعة ج 20 ص 28.

(4) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(72) سورة الأحزاب

(5) ورد في وصية من وصايا النبي9إلى الإمام علي قوله: ﴿يَا عَلِيُّ إِنَّ أَوَّلَ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْعَقْلُ. فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ. فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ بِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي وَبِكَ أُثِيبُ وَبِكَ أُعَاقِبُ. من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج 4 ص368.

(6) قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(158) سورة الأعراف

(7) ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُورا(3)سورة الإنسان

(8) ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(32)سورة النور وقال رسول الله: ﴿تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مستدرك ‏الوسائل ج 14 ص 153. وقال الإمام الصادق قال رسول الله9: ﴿مَنْ تَزَوَّجَ أَحْرَزَ نِصْفَ دِينِهِ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ أَوِ الْبَاقِي. الكافي ج 5 ص 329.

(9) كتب علي بن أسباط إلى الإمام الباقر في أمر بناته أنه لا يجد أحدا مثله. فكتب إليه الإمام: ﴿فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ بَنَاتِكَ وَأَنَّكَ لاَ تَجِدُ أَحَداً مِثْلَكَ فَلاَ تَنْظُرْ فِي ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا ذَلِكَ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ . تهذيب ‏الأحكام ج7 ص 396.

(10) وسائل‏الشيعة ج 21 ص 33.

(11) وسائل‏الشيعة ج 21 ص 35.

(12) وسائل‏الشيعة ج 21 ص 22.

(13) وسائل‏الشيعة ج 21 ص 22. (14) وسائل‏الشيعة ج 21 ص 22.

(15) بحار الأنوار ج 74 ص 286.