سرور وفجيعة

ناصر موسى الحسين *


كيف يمكن أن نجعل من فاجعة عظيمة كفاجعة مقتل سيد الشهداء الإمام الحسين مناسبة لإدخال السرور على قلب النبي وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام؟

ورد في الخبر أن الإمام الصادق قال لأبي بصير : "يا أبا بصير، إن فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق" إلى أن قال: "يا أبا بصير، أما تحب أن تكون فيمن يُسعد فاطمة عليها السلام؟" يقول ابو بصير: "فبكيت حين قالها، فما قدرت على المنطق، وما قدرت على كلامي من البكاء".

تتردد بعض الأِشعار والجمل حول هذا المطلب فوق المنابر الحسينية وفي قصائد العزاء وهي تؤكد على أن إقامة مجالس الحسين ، وما يصاحبها من بكاء وعزاء وإطعام، يدخل السرور على القلبين المكلومين للنبي وابنته فاطمة الزهراء عليهما الصلاة والسلام.

يبدو واضحاً ولا نحتاج إلى جهد لإثبات أن فكرة المواساة وإبداء الحزن في مناسبات التعزية بشكل عام، وعلى ما فيها من حرارة وحرقة، وما يصاحبها من بكاء وعويل، فإنها في الوقت نفسه تدخل الرضا والسرور على قلب ذوي وأحبة الفقيد. هكذا هي العاطفة الانسانية. فوقوف المجتمع إلى جانب أصحاب العزاء يشعرهم بالاطمئنان ويشد من أزرهم ويخفف الكثير من آلامهم.

ولكن دعونا نتساءل: هل هناك أشياء أخرى غير البكاء والإطعام يمكننا بها إسعاد سيدتنا صاحبة العزاء وأبيها صلوات الله وسلامه عليهما؟

أتصور أن رسول الله وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم سيسعدون كثيراً حين يرون أتباعهم يلتزمون ببعض الأمور المهمة والتي لا تتعارض أبداً ولا تقلل من شأن البكاء والإطعام بل بالعكس تماماً فهي تعزز من قيمة إحياء الطقوس والشعائر، أقول هذا لكي لا يتوتر البعض ويقرأها- كالعادة- من زاوية المؤامرة.

من أهم الأمور التي ينبغي لنا أن نسعد بها أهل البيت في مناسبة مثل مناسبة عاشوراء ما يلي:

-   التأكيد على التمسك بأخلاق أهل البيت في التعامل مع الجميع. فالرسالة المحمدية وتضحية أهل البيت إنما كانت من أجل تعزيز وسيادة الأخلاق التي قال عنها رسول الله : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فليس مقبولاً أن نبكي في مصاب الإمام الحسين ثم نغتاب ونسيء الظن ونكذب ونبخل وننفعل وما أشبه.

-   التعلم واكتساب المعرفة، فرسول الله يقول: "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد". إن الجهل لا يبني بل يهدم كل بناء، ويحرق كل منجز، ويجعلنا كالريشة في مهب عواصف الشك.

-   الالتزام بالعبادات، إذ أنها أعمدة هذا الدين ومن أجلها ضحى الرسول وأهل بيته . لا يمكن أن نسمي أنفسنا حسينيين بينما لا نولي العبادات اهتماماً. هل يسر رسول الله وأهل بيته أن نؤجل الصلاة حتى نفرغ من أعمالنا، أو نصوم دون ورع؟

-    ممارسة الإصلاح، فالحسين قام من أجل الإصلاح في المجتمع، واجتهد من أجل هذا الهدف وقدم نفسه قرباناً على هذا الطريق. ولو كان السكوت عن الظلم والركون إلى الدعة، ومبايعة الظالم المستبد، والابتعاد عن ممارسة تحقيق العدالة والدفاع عن المظلومين يسرهم عليهم السلام، لما خرج الإمام الحسين ولبقي في المدينة وبايع يزيد (لعنه الله)!.

هذه بعض المطالب التي إذا حققناها في أنفسنا فإننا سندخل على رسول الله وأهل بيته عليهم السلام السرور، وسنكون حينها حسينيين حقيقيين، إذ نبدأ بأنفسنا بتطبيق أهداف الرسالة المحمدية، ونستوعب بداخلنا مفاهيم النهضة الحسينية، ونطبقها على ذواتنا قبل أن ندعو غيرنا إليها، ونكون مصداقاً لقولهم : "كونوا لنا زيناً".

 

كاتب وصحفي سعودي