عاشوراء ضحية القمع الإعلامي

ناصر موسى الحسين *


 قبل حوالى 20 عاماً أدرت جهاز الراديو في السيارة وصرت أبحث عن برنامج مفيد، فتناهي إلى سمعي صوت يشرح ما جرى في كربلاء على الإمام الحسين بأسلوب قريب جداً مما اعتدت سماعه عن هذه الحادثة المفجعة. في ذلك الوقت لم تكن بعد قد انتشرت قنوات فضائية أو إذاعات تتحدث عن مثل هذا الموضوع.. لم تكن هناك سوى إذاعة عربية واحدة يمكننا أن نستمع فيها شيئاً مثل قصة كربلاء وهي إذاعة الجمهورية الإسلامية في إيران.

ولكي نكون منصفين فإن أجهزة إعلامية معدودة على أصابع اليد الواحدة من خارج البلاد تناولت بين حين وآخر وبشكل مقتضب موضوعات مثل كربلاء وقصة مقتل الإمام الحسين .

 لم تكن تلك الإذاعة التي نقلت بعضاً من الجانب التاريخي لقصة الإمام الحسين في كربلاء سوى إذاعة أردنية تبث من عمان.. أدهشني ذلك، إذ لم نعتد سماع سيرة أهل البيت على القنوات الفضائية ولا الإذاعات إلا لماماً، لكنني أرجعت هذا الاستثناء الغريب إلى حرص الأردن على الظهور كمملكة هاشمية، وكان توقيت البرنامج قبيل ذكرى عاشوراء أو أثناءها.

الآن وبعد أن انتشرت القنوات التي تتحدث باسم أهل البيت، فإن الفاجعة وتفاصيلها وما يحيط بها من أفكار وطقوس وتعبيرات، أصبحت تحت أسماع وأبصار الجميع. غذت هذه القنوات النهم العاطفي لأبناء الطائفة تجاه مآسي أهل البيت بالدرجة الأولى، كما ساهم بعضها في نشر ثقافة أهل البيت بمقدار متواضع بالقياس إلى غنى هذه الثقافة وعالميتها.

السؤال: لماذا القنوات الشيعية هي الوحيدة التي تتبنى نشر سيرة أهل البيت ؟ لماذا لا تساهم بقية قنوات الدول العربية والإسلامية في هذا المشروع المهم؟

لماذا لا نرى – كمثال للاهتمام بسيرة أهل البيت - تغطيات إعلامية حول ظاهرة الأربعين؟

وإذا كان البعض ينظر إلى زيارة الأربعين أو زيارة العاشر من محرم على أنها من المظاهر الشيعية الصرفة وأنها قابلة للنقاش، فكيف نفسر الغياب عن المواضيع المشتركة المتفق عليها وهي كثيرة؟

لماذا يتعامل الإعلام بأسلوب الإقصاء والتهميش تجاه مواضيع وقضايا وسيرة أهل البيت، مع أن فضلهم يعم المسلمين وغير المسلمين؟

  • هناك أسباب لنشوء هذه الحالة:

   1  -  تقصيرنا إعلامياً في نشر معارف وسيرة أهل البيت، فنحن (المنتسبون لمذهبهم) نعد حديثي التجربة في المجال الإعلامي، نتيجة الإقصاء والكبت الذي مارسته السلطات الاستبدادية لقرون. وعندما انفتح الفضاء أمامنا لخوض التجربة خلال العقدين الماضيين لم نحسن استغلاله، فكان العرض ضعيفاً، والخطاب ضيقا، إذ ركزنا على الجانب العاطفي والمأساوي لأهل البيت أكثر من غيره. وأهملنا الجوانب الكثيرة التي تقدم أهل البيت كمنهج رصين واسع الأبعاد. كما قدمنا الحسين بلغة دينية مذهبية. وهذا –إن لم يؤد إلى تشويه القضية- فإنه يكون قد أثر على النظرة الإيجابية للمنهج والسيرة عند الآخرين.

ويتضاعف الشعور بالتقصير حين نجد وسائل الإعلام الأجنبي، الذي رغم عدم تأثره كثيراً بعدوى الطائفية، إلا أننا لا نجد له حضوراً، خاصة وإن تواجد الإعلام الأجنبي يشكل فرصة طيبة لنشر معارف وعلوم أهل البيت في القارات الأخرى.

   2 -  انعدام حرية النشر والتعبير عن الرأي خاصة في الدول التي تحتضن كثيرا من القنوات العربية والاسلامية رعاية وتمويلاً.

   3 - تغول الشعور الطائفي والتحاق معظم الوسائل الإعلامية – التي يفترض أن تكون محايدة – بالركب الفتنوي الذي يصنف المسلمين طائفياً وأحياناً يكفرهم.

لا نستغرب أبداً من ابتعاد القنوات التي يديرها مروجو الطائفية ودعاة الفتنة عن النهضة الحسينية أو أحداث مثل عاشوراء أو الأربعين، ولكننا نلوم أنفسنا ووسائل الإعلام المستقلة (وهي قليلة بالطبع خاصة في عالمنا العربي والإسلامي) على عزوفها عن تغطية وتحليل هذه النهضة العظيمة.

وكمقارنة؛ ينظم البعض هنا وهناك في مختلف دول العالم وطوال العام مهرجانات وفعاليات فنية واجتماعية، بعضها جاد وبعضها ليس كذلك، وتتلاقف القنوات الفضائية ووسائل الإعلام هذه المهرجانات وتحولها –احيانا- من مجرد برنامج ليس له قيمة إلى حدث بارز باستخدام تكثيف البث والتغطيات الخاصة والمتابعات الإعلامية وتسخير كل أشكال العمل الإعلامي. بينما يمر حدث مثل إحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين مرور الكرام.

تكتفي بعض القنوات بخبر مقتضب. فيما تضطر أخرى للإشارة إلى الحدث اضطراراً، فهي تذيعه على هامش خبر انفجار يستهدف المشاركين في هذه المناسبة فهي لا بد أن تذكر أين ومتى ومن المستهدف.

تمر أيام ذكرى شهادة الإمام الحسين أو ذكرى الأربعين وتنتهي ومعظم القنوات العربية والإسلامية مشغولة بأشياء أخرى. هذا الإغفال أوالتغافل يعزز قناعة عند أتباع أهل البيت بأن هذه القنوات ومن يقف خلفها ليسوا على قدر من الجدية في إعلانهم محبة أهل البيت. ولسنا نريد هنا عرض أهمية المناسبة وأبعادها العظيمة، كما لا نقصد أيضاً تضييق مساحة المحبة لأهل البيت وقصرها على إحياء الذكرى، وبالتالي نقع في إشكالية تصنيف الآخرين وفقاً للموقف من الإحياء للذكرى، فهذا مجرد تعبير من بين أشكال التعبير الأخرى للحب. ولكن القناعة الآنفة تشكلت ضمن معطيات أخرى، وهي تتلخص في أمرين:

 - يفترض في وسائل الإعلام، خاصة الخبرية منها، أنها مسؤولة عن نشر ما يحدث، والأحداث الدينية التي يحيي ذكراها الشيعة تظل مادة خبرية كغيرها، وإغفالها يثير علامة استفهام وتعجب.

 - التعبير عن المحبة لا يتحقق دون إعلان. ويتعزز هذا المعنى حين يكون الأمر مرتبطاً بأهل البيت الذين أوصى بهم النبي وهم عدل القرآن. خاصة وأن هذه الوسائل الإعلامية تبدي حرصها الشديد على إحياء مناسبات تاريخية لا يمكن أن نقارنها مع إحياء ونشر محبة وثقافة أهل البيت.

 هذه دعوة لجميع الوسائل الإعلامية لتصحيح المسار في التعاطي مع سيرة أهل البيت والتعامل معها باعتبارها مكسباً بشرياً يتعدى خصوصيات الجغرافيا والدين. إن الابتعاد عن مرض التصنيف ضروري للتعامل السليم مع الأحداث التاريخية والنتاجات الفكرية، وهذا ما ميز المجتمعات المتقدمة التي نأمل أن تكون وسائلها الإعلامية فاعلة في عرض وتحليل أحداث التاريخ الإسلامي وسيرة أهل البيت عليهم السلام.

  • خلاصة القول:

 - يتحمل الإعلاميون مسؤولية كبيرة أمام الله والتاريخ في نشر القضايا المهمة في تاريخ البشرية، ومن بينها سيرة ومعارف وعلوم أهل البيت ومن بين الحوادث المفصلية التي شهدها تاريخ الأئمة فاجعة مقتل الإمام الحسين .

 - ينبغي التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبي ودعوتهم لقراءة منهج أهل البيت والاطلاع على السيرة التاريخية للحركة العلمية التي حرص عليها الأئمة والتي أثرت على المسلمين وغير المسلمين.

 - من الضروري أن تتولى جهة ما دراسة واقع القنوات الفضائية الشيعية ومراجعة منهجها ولغتها وسبل تطويرها باعتبارها واجهة ينظر إليها باعتبارها ممثلة للطائفة وناطقة باسمها ومعبرة عن مدرسة أهل البيت.

 - ذكرى عاشوراء وأربعين الإمام الحسين من المناسبات التي يجب أن تولى عناية خاصة، ومن المهم إبراز هذه المناسبات إعلامياً كجزء من التزامنا بالدعوة إلى أهل البيت والمحبة والولاء لهم .

 

كاتب وصحفي سعودي