فاطمة ...

عقيلة آل حريز *

 
للحزن صور أخرى غير ما نعرف تشبه صور الشهقة قبل زفير حارق .. تشعل نيران تستند على نزف الجراح فتبدو الروح من خلالها شاحبة ..

بحذر شديد  بعد أن اتجهوا لحملها  عادوا مسرعين يلتحفون عباءة الليل الغاشم .. لفتهم أنفاس السكون .. وحرس الصمت وقع خطواتهم المتوجسة ..        
أنزلوها بحزن دفين واختنقوا بعبرتهم .. فسقوا القبر مزيداً من الأنين بانسكاب دموعهم .. سووا المكان بسرعة مموهين لئلا تجوس الأشباح بخطواتها المكان على غير رغبتها .. 
 
كان الليل باردا والوجوه الملتحفة بالحزن لاتزال تعالج أمرها ..كل الكائنات تبدو حزينة تنصت لصوت نشيج قلوبم .. عيون اليل كانت مطرقة هي أيضاً والريح كانت تنخر الأرض بحجم العري الساكن فيها .
حتى الاشجار والجبال والتراب تجاوبت مع آناتهم المكتومة .. ثمة إمرأة شريفة ابتلعت الأرض رضوض صدرها بعجل قبل قليل ، فاستتر الأنين خلف ثراها وطوى قيدها الوجع .. 
 
ستفضح الاصوات الأمر حتى الجبال والثرى ستلحظ جسدها المسجى بحجج المسافات المهملة في سطور علت حدبة التاريخ بتشوهات لا يمكن سترها فالشظايا المتناثرة تتأمل حزنها باهتمام يصنع منه جرح على خد السماء .. وخيوط الليل تتسلل بثكل مربك تتدافع في كل الاتجاهات تبحث عن ركن قصي تتربص منتظرة الهجمة الكبرى للسواد النازف بجرح يصهل في فضاء الصمت المدهش ..
 
ظلت القبور الجائعة تبتلع الحكاية بالقبض على أسباب الصمت ، حكاية المسمار النابت بالصدر وكسر الأضلاع وسقوط الجنين .. تتحدث عنها كما لو كانت شاهدة مصلوبة على أبواب النجوم تلحظ اكتمال القمر لكنها لم تدركه ، وتحكي للناس قصتها لتسقط الأقنعة متراصة فيدوي صوت ارتطامها في حضن السماء ..
 
مسافة نقطعها ونعود ...
حواريون يطوفون حول استفهامات ملأت قبرها عبر بوابات القرون المتوالية يلتقطون شظايا صور التاريخ المغلوط ينشرون بعضها بوجه الشمس .. يبكون ويحتجون ويرفعون الصوت بتظلم مفجع .. يرتطمون تماماً داخل أضلعها المكسورة ويجرون مسافة التاريخ باهتزاز لطمة تترنح في صفحة وجه كرمته السماء ..
ينزفون من مشاعر المودة حباً متراكم يراهنون عليه هزالة التاريخ ويتحدون به شيئ من مماحكاته العقيمة بحجم الطغيان .. وضمنيا يقتسمون حساسية قصتها المشوبة بالحزن ، يفكون شيفرات الألغاز التي تغلفها فيشعرون الآخرين بفواصل تعرج بحجم الفوارق المشوهة ببذخ الاهمال والتجاهل ..
 
حين ملَّ الليل صحبتهم .. عادوا بدونها يعتمدون الرحيل يخيطون به علامة تميز حزنهم .. يحملون رذاذ من الهواء الراحل يكملون ببقاياه رحلة الطريق ويهشون الفرح عن وجوههم بارتباك يتكفن الفقد والأنين ...
 

كاتبة وقاصة (سعودية )