الاحتراب المذهبي الطائفي و .. السياسي

عقيلة آل حريز *

ليس الأمر وهما بل حقيقة معاشة .. وإن كنا تنميان لم يكن وكفينا أنفسنا العيش في قلق .. كنا نتحاور على طاولة حوار واحدة قبل عدة أيام تقف بجانب بعضها وتؤرخ لذكراها بتوايخ نشهدها، ولازلنا للآن لم نقطعها من روزنامة الوقت ..

 مدة طويلة جهدنا في صنعها ثلاثون عاما أو أكثر .. نضع أهداف وخطط واستراتيجيات للقادم ، ومن ثم حدثت المقاولات والمضاربات والمزايدات على الولاء والانتماء !.. انطفأت الكهرباء فصرنا نختفي خلف سواد العتمة .. هي كانت من نصيب بضعة أحداث عاشوها في قلق .. وطفولة مبهوتة حوكمت بلجم الفم وخرس الألسنة .. ونتيجة ما حصد من كرامة وتكبيل والطعن بخناجر غدر بلا جرم .

 كنا نغفو على حلم ونهدهد به بعض القسوة فصرنا نصحو على واقع يجتر كوابيس العتمة !، استفقنا وعرفنا بأن الصغير لم ينضج ، مازال بحاجة للتقريع ، وللتوبيخ ، للتوضيح إن كان يحسن أن يسمع .. لكن الزمن تغير وتغيرت أمور كثيرة بداخله ومستجدات أحدثت المفاجأة فاستفاق داخلنا على الدهشة .. الدهشة التي نقلناها لأبنائنا الذين ظنوا حلمنا حقيقة .

 أتساءل كغيري على خلفية واقع يهتز ، ماذا عن الحوار وأصوله .. ماذا عن الزيارات ، ماذا عن التوحد ، عن الثقافة الواحدة ، عن الاستبصار ، عن أبناء ولدوا في حضن الاختلاف وكان أبواهما من هويات مختلفة تمثلنا عامة ، فتعايشوا مع واقع حالهما وائتلفوا هذا الاختلاف وتقدموا بنا بضع خطوات للأمام .. من سيفسر لهم طبيعة ما حدث .. ومن سينبئهم عن تصنيف سينتمون له إن عمدنا إلى شطر الهويات كما نريد .. أين السبيل لإعادة البلورة والصياغة التي نبغي في ذهنهم ، هل سيصدقوننا لو تحدثنا لهم عن سياسة تقريب المذاهب والأديان في الوقت الذي ينطفئ فيه تيار الكهرباء عن كامل منطقتهم من تلقاء نفسه بلا سبب في عتمة الليل ، هذا التيار الذي تصامد - فلم يصمد للأسف - لأكثر من ثلاثة عقود ، انقطع عقابا وعاد من تلقاء نفسه وكأنه يتخبط لا يدري أن يضع أهدافه ، يخفي مع عتمته شباب اعتصموا سلما ويعود في لحظة خاطفة وسريعة ليؤكد أن الأمر متعمد ، ولسنا ندري بالباقي !!

لأكثر من 30 عاما ونحن ننادي بنسج نسيج الوطن وأطيافه في بقعة جغرافية واحدة .. فلماذا مشكلة كهذه علا فيها صوت المطالبة بحق نيل الكرامة ورد الاعتبار ،عجزنا عن احتواءها تراجعنا للخلف نستتر من فضيحة المجاهرة . تتقاتل الطوائف وتتشاتم ويغلب صوت الصفع والتكبيل ونحن نعجز عن البت في أمرها بحكمة . لنكتشف كم نحن بارعون في صياغة الكلمات وإضفاء الهالات عليها ، وجر المتغيرات ، وقلب الصور وإعلان التهم والتنكيل بالآخر ، هذا ما علمتنا إياه حقائق الواقع .. أطفال وراء القضبان هم الحصاد ! ، وشغب يجوس المكان ويروع أمن أصحابه وكأننا في ساحة حرب نستخدم فيها أقسى الأسلحة لننتصر ، لكن ننتصر على من ولشأن من سيكون انتصارنا ، أعلى أنفسنا سنفعل !..

  بارعون نحن في خلق التهم والتجريح ، ومن خالفنا وصمناه بالقبح والقبيح وكبلناه بالقيود حتى يكف ولا يعود .. أحقيقة ما يجري .. هل واقعنا يجتر انتظار ما .. ممن هو؟ .. ولمصحة من سيكون هذا الانتظار؟ .. هل هو انتظار خارجي فعلاً ، وهل نريده بالفعل؟! .. لنفق من سباتنا فالبركان بدأ ينفجر والجهود التي بذلنا لها مساعينا من اجل سد فوهته قد تلاشت وانطفأت قدرتها على الصمود طويلاً .. لقد تمنطقنا بالحرية طويلاً ، لكننا نعجز عن البقاء صامدين أمام تطبيقاتها .. فما مشكلتنا مع الكلام  ونحن شعوب تصنعه فقط ، هل يخيفنا ، هو لن يكون مخيفاً إلا إن دخل في صميم الفعل والفعل يحتاج لوقت ليكون والوقت يحتاج لرؤية واضحة لا لتخبط وعشوائية في صياغة الأهداف..

 أنادي كما ينادي كل العقلاء، أين أصحاب القرارات ، أين من يتحدثون طويلا عن الاحتواء ، أين العقول والأفكار الحكيمة .. لترتب الأجزاء المهملة وتلملم  الشظايا المتناثرة ، وتحتوي أبنائها  مهما كانت درجة اختلافهم معها ، فإن فعلت لن يحصل ما يخيف .. ماذا نمتلك من ذاكرة مثقوبة ومن جراح لم تلتئم بعد .. كيف سنحدث أجيالنا عن حقيقة ما يحصل في حين أقوالنا متضاربة مع أفعالنا .. أطفال في دار الأحداث ، وأحداث يزجون بالسجون ، ومن ثم كبار يتعرضون للإهانة والسب وفجأة ينفجر الإناء وينضح القدر بما فيه  وما فيه أكبر من تصوراتنا . كأنه جمر تحت الرماد كان متقد وكنا نحسبه قد برد ، عجيب أمر فهم الحريات لدينا ، عجيبة أغنية التجانس لدينا ، إنه ترقيع واضح واحتمالات سافرة بالتأزم وكأنه تحدي معلن .. فإن كان العقل غير قادر على إصلاح مثل هذه الأمور فتلك مصيبة ، وان كان لا يقف على مجريات وحقائق ما يحصل فتلك مصيبة أعظم . 

  وللحقيقة أحداث البقيع كشفت الحقيقة وأماطت اللثام عن واقع متباين متخلخل .. وأسقطت الأقنعة عن تمييز بغيض لا يرتضيه العقلاء حتى من جهة أصحاب الفئة الأخرى أنفسهم! . أين تساوي الحقوق والواجبات .. أين النداءات بالتوحد ودمج الأطياف .. أين الحوارات الوطنية .. ودوائرها .. أين فكرة تقبل الرأي والرأي الآخر .. هل سئمنا من ترديدها حين بدأت الأمور تنحُ منحنى الجدية  ، لنكن أكثر إنصافا وأكثر قدرة على بلورة الأمور وإعطائها مسمياتها ، إن كنا عاجزين عن احتواء فئات المجتمع في حادث كهذا ولم نحرك له ساكنا حتى أخذت الأمور تتأجج فكيف عن ما سنواجه من قادم  .. ولا أحد يضمن سلامة القادم .

 حين تصفع احدهم على خده فلا تنتظر منه أن يشكرك ، ولا تلمه أيضا إن قال ما يسوءك ، فأنت تعمدت أن يسمعك غليظ الكلام ، حين ينعدم الأمن في شعور المرء منا بأمنه .. سيزيد قلقه الدائم الذي يتكاثف على جدران الروح ، وعدم استقرار يشق طريق عبدناه بالسكون  طوال عقود ثلاثة !!، لماذا نخشى من الإقدام من قبول التغير .. من الاندماج من تقبل فكر الآخر ، لماذا نخشى على أنفسنا من أن تضيع هوياتنا ونغير نهجنا .. كلنا ناضجون كفاية، وكلنا يملك عقله في رأسه وقراره في يده وهو خياره ، لسنا بحاجة لمن يسيرنا ويرسم الطريق لنا ، ولا أن يغير ملتنا ويبدل عقيدتنا، العالم اليوم منفتح على عدة أصعدة ومجالات ودوائر متسعة  ، لم يعد متقزما كالسابق ولم نعد نتعملق حول فكرة واحدة نلتف حولها كحلقة مستديرة لا فتحة لها ولا انفراج ، الانفتاح موجود شئنا أم أبينا .. سيكون من الداخل أو من الخارج على حد سواء .. فلماذا نبدو متخصصون في الإساءة لأنفسنا ولمن هم على ديننا .. هذا إن كنا نظنهم مثلنا مسلمين ولم نكفرهم تماماً بعد .

لنتصور ما سيحل لو أننا أهملنا المزيد من المجريات وملأنا النفوس غيضا وكانت النتيجة هي المزيد من الاحتقانات الطائفية والسياسية .. بالطبع سيجيئنا الغريب .. العدو الحقيقي لنا.. وللغريب قصص وحكايات بشعة تشهد بها حداثة حرب العراق والكويت وغيرهما حدث ولا حرج .. هذا الغريب لن يهمه فض الاشتباكات بيننا ولا قطع حبل الصراع ، وزرع الانسجام وتوحيد الهوية والقبض على المعتدي .. ستهمه خيراتنا قبل أي شيء ، سيهمه مص دمنا ، وسيجتاز كل قناعاتنا وشروطنا ويرتقينا رأسا رأسا .. حتى يعلو هاماتنا ويفرد أقدامه البلهاء بطولها الفارع ويهزها ككلب أحمق يفعل بذيله .. للأسف هذا ما سيحصل .. هو لن يأتينا شفقة بنا ولا خوفاً علينا ، بل لحاجة في نفسه !!

 

الغريب الذي يملي علينا عباداتنا ومناهجنا وكيفية تعاملاتنا مع خدمنا وأسرنا ، هو نفسه من سيملي علينا كيف نتعامل مع أزماتنا .. وللأسف أزماتنا تخصنا نحن ونفقهها أكثر منه ، هي تعنينا لا تعنيه فالدين يؤطرنا بينما لا يفقه منها شيء .. كم هو مخجل وقبيح أن نستعرض غسيلنا المتسخ أمام الغريب الذي يسخر منا وربما ينتهز الفرصة لتصدر الأمور بالاحتراب السياسي والمذهبي .. للحقيقة نحن من سنعطيه الفرصة لأننا لم نبالي بصوت الحقيقة والعقل .

لنعترف الآن بالحقيقة التي نعيشها وهي أن أوطاننا لم تنضج بعد ولازالت غير جاهزة لخوض التوترات ، وأن حواراتنا لم تكتمل حتى الآن ، وأحلامنا لا تزال غير صالحة لتكون ما دمنا نتعثر هكذا ونتدحرج بأسلحة غير مفرملة وقوة غير مسئولة تتخبط في ظلمة عشوائية ، لترمي الآخرين بالتهم دون التحقق من صحتها ! .

 

 

كاتبة وقاصة (سعودية )