صف النور ومأساة الطفولة العراقية

منذ اليوم الاول لتأسيس منظمة بنت الرافدين/ بابل، تلك المنظمة التي حملت هم المرأة العراقية واخذت تطوف به الارض تحاول ان تزرع بسمة هنا، وتطلق قيدا هناك، ليشرق املا في قلب احداهن ونورا في عقل الاخرى... لنتعلم معا كيف نتحدث وكيف نعبر عن ارائنا وهمومنا وكيف نخطط للمستقبل وكيف ندافع عن بعضنا البعض في زمن تكالب الجميع علينا لاجل القضاء على الحياة الحرة الكريمة، وفي زمن فقدان الناصر والمعين... زمن وجدت فيه المرأة العراقية نفسها بلا ناصر ولا معين في ذلك الزمن الذي يقولون انه زمن الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.

هذه المنظمة التي سعت خلال فترة تواجدها على ارض الواقع منذ 1/3/2005 ولغاية اليوم ان تقدم شيئا للمرأة العراقية في خضم اصعب ظروف يمكن ان يشهدها مجتمع ما من فقدان الامن واضطرابات سياسية وصراعات طائفية واعراف وتقاليد اجتماعية وضغوطات مادية، وتمكنت خلال الفترة المنصرمة من تحقيق انجازات عديدة لسنا في صدد احصاءها.

من ضمن تلك الانجازات، مشروع صفوف النور لتعليم المرأة العراقية القراءة والكتابة، حيث افتتحت عدة صفوف في اماكن متفرقة بدعم من محسنين اضافة الى تمويل المنظمة لهذا المشروع واجد ضرورة هنا لتقديم الشكر الجزيل لكل من الاستاذ الكريم جواد كاظم خلف من فرنسا والسيدة بشرى الحسيني من محافظة بابل والسيدة غنية حسين من محافظة بغداد، من كان السباق لدعم هذا المشروع.

ومن خلال دورتها الاخيرة لدعم الوعي الديمقراطي للمرأة العراقية والتي اقامتها في منطقة الحمام التابعة لناحية ابي غرق غرب الحلة بتاريخ 5/12/2006، استقرأت المنظمة واقع المرأة العراقية المتعب في تلك المنطقة، ووفاء منها لما وعدت به النساء هناك، عادت الى تلك المنطقة بتاريخ 28/12/2006، لتفتح هناك صفا للنور احتضن براعم الرافدين الصغيرات!!

كانت لحظة سرور ممزوج بحزن مدقع مغموس بقهر عراقي  .. لا ادري متى ينتهي... طالبات هذا الصف فتيات صغيرات باعمار ستة وثمان وعشر سنوات، وعندما انتفضت وقلت للامهات: هؤلاء يجب ان يلتحقن بالمدارس وليس بصفوف النور، هذه جريمة، لماذا لا ترسلوا بناتكم الى المدارس؟!

اجابت دموع العيون قبل الكلمات: لا توجد في منطقتنا مدرسة، المدرسة الوحيدة في ابي غرق وهي تبعد عنا كثيرا، نحن لا نرسل الاولاد الى هناك فكيف بالبنات الصغيرات!!

الجدير بالذكر ان هذه العوائل بالكاد تكاد تملك قوت يومها فكيف تتمكن من تأجير سيارة مثلا لايصال اطفالها الى المدرسة!!

عن اي حقوق انسان اوحقوق امرأة نتحدث نحن؟!

اذا كان واقعنا يحتم على صغيراتنا الجلوس في البيت وحرمانهن من التعليم والمعرفة والثقافة كيف نطمح لمستقبل زاهر تشارك فيه المرأة بصناعة الحياة او ممارسة حقها الطبيعي في المشاركة السياسية او الاجتماعية او الفكرية!!

 منطقة الحمام، نموذج لمئات وربما الاف المناطق المتوزعة على ارضنا!!

نطالب بحقوق المرأة والطفل والانسان... ولا نعمل على تحقيق الخطوة الاولى لنيل تلك الحقوق، الا وهي العلم والمعرفة!!

حملنا تلك المأساة في ثنايا الاضلاع الملتهبة تساؤلا يكاد يفجر الزمان والمكان من حوله... اين هي وزارة التربية؟! اين هي مديرية التربية؟! اين هم رجالات الدين والعلم والمعرفة؟!

وانا اتجول في تلك المنطقة الفقيرة قمت بوضع خطة سريعة... بناية صغيرة من طين تحتوي عشر او اكثر بقليل من الغرف الصغيرة تتوسطهن ساحة صغيرة... عشرات بل مئات من خريجي كلية التربية الجالسين في بيوتهم... كادر بسيط من هؤلاء يتم تنسيبه الى هذه المدرسة... ربما هذه الميزانية استطيع انا ان اجمعها من مساعدات محسنين من هنا وهناك، أفلا يستطيع جهاز دولة او مسؤول فيها ان يقوم بذلك؟!

وبعد تلك الرحلة توجهنا مع اصدقاء لنا في منظمة بابل لحقوق الانسان لتفقد العوائل المهجرة في تلك المنطقة ضمن خطتنا الرامية الى دعم هؤلاء العوائل ماديا ومعنويا حيث كان لبنت الرافدين نشاطات في هذا المجال كثيرة في مركز الحلة وتتحفظ المنظمة عن نشر صور هذه النشاطات احتراما وحفظا لكرامة تلك العوائل الاصيلة.

في تلك المنطقة قرابة الاربعين عائلة مهجرة جلها تتكون من النساء والاطفال فقط بعد ان فقدت رجالها في عمليات ارهابية طالت حياتهم وشردت عوائلهم.

يؤسفني ان ابدأ عامكم الجديد بهذا الموضوع، ولكنه واقع عراقي نعيشه بكل مفرداته، الناس في بلادنا لا يوجد من يحمل همهم او يفكر فيهم... ليسمعني الجميع اقولها لكم جميعا في عيدكم: وانتم تحتفلون بالعيد، عيد الاضحى، عيد رأس السنة، عيد نهاية الطاغية، اي عيد يمكن ان يدخل الفرحة الى بيوتكم... هناك الكثير الكثير الكثير من عوائلنا العراقية بلا مأوى ... بلا معيل ... والبرد يهز فيهم الامل والجسد، اطفالنا بلا مدارس... بلا امل ... بلا مستقبل، هل يمكنني ان احلم بعام آخر يختلف عن غيره، هل يمكنني ان اعد المرأة العراقية هنا وهناك بعام ربما يكون الافضل، هل يمكنني ان اعدها بذلك؟

وكل عام وانتم بخير

 

مديرة منظمة بنت الرافدين ـ بابل