طبيب النفوس (6)

محمد حسن يوسف

 
 (إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَثُلَاتِ حَجَزَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ الشُّبُهَاتِ) (16/1)

يُروىٰ في التاريخ أن الحجّاج بعث إلى عبدالملك بن مروان أن "إذا أردتَ أن يثبت ملكك فاقتل علياً بن الحسين" فجاءه الرد من عبدالملك “جنبني دماء بني هاشم واحقنها فإني رأيت آل ابي سفيان لما أولعوا فيها لم يلبثوا الى أن أزال الله الملك عنهم”.

يبيّن أميرُ المؤمنين عليه السلام في العبارة المتصدّرة النتيجة المرجوّة ممّن يَعتبِر بصريح عواقب (مثلات) الأفعال وذلك أنّه يجب أن يكون له رادعٌ داخلي (تقوى) يمنعه من الإقدام على أفعال مشابهة. قد تكون العواقب دنيوية محضة كما في قصة عبدالملك وقد تكون نفسية وقد تكون روحية وقد تجتمع كلها وعندها يخسر الإنسان الدنيا والآخرة.

التقييم العقلائي يتوافق بشدّة مع ما أورده أمير المؤمنين، لكنّ الإنسان في الغالب لا يَعتبِر وكأنه يملك مناعة ضد سُنن الله عزّ وجل. كم تعلمون أناساً أدخلوا أموالهم في مغامرات طائشة مع شهادتهم لخسارة من هم أكبر منهم عمراً وأكثر خبرة في المضمار؟ وكم من ظالمٍ رأى أثر دعوة المظلوم على غيره واستمرّ في ظلمه؟ وكم من عاقٍّ لوالديه شهِد عقوق أبناء غيره؟ وكم..وكم؟

شهٍد بنو إسرائيل هلاك فرعون وهامان وقارون، كلٌّ بذنبه، وكذلك شهدوا نجاتهم الإعجازية لكنّهم لم يعتبروا وظلّوا على عنادهم معتقدين أنهم مختلفون وأنهم "أبناء الله وأحبّاءه".

ما يفسّر العصمة لدى الأنبياء والأئمة هو علمهم بعواقب الأفعال مشفوعاً بالتقييم العقلائي الذي بطبيعته سيؤدي إلى ملكة تمنعهم من الوقوع في المحظور.

الوعي ليس معرفة مجردة وإنما استيعابٌ تامٌّ لأبعاد المعرفة وتطبيقها على الواقع المُعاش، وينتج عنه في الغالب توقّعٌ صادقٌ لمآلات الأفعال وأصحابها.

يقول عليه السلام (واتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ).