طبيب النفوس (5)

محمد حسن يوسف

 (فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلَّا وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي وَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا)* (55/1) 

في ردِّ أمير المؤمنين عليه السلام على من استبطأه في قتال أهل الشام أراد تبيان جانبٍ نبويٍّ إسلاميٍّ مهمّ ألا وهو الرغبة الحقيقية في هداية ونجاة وسلامة الطرف المقابل إن أمكن حتى وإن كان عدواً. وهذا كان منهجه في حروبه حتى في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله كما روي في مبارزته لعمروٍ بن عبد ود وكيف أنه عرض عليه الإسلام أو الانسحاب من المعركة قبل أن يقاتله.

ممّا يؤسَف له أن نجد الاحتفاء بالشخصية العسكرية فقط لعليٍّ عليه السلام في الثقافة الشعبية وعلى الكثير من المنابر دون باقي الأوجه العظيمة في شخصيته، حتى تشكّلت صورة ذهنية لرجلٍ إنجازُه الأكبر رصيدٌ من الأبطال قتلهم في المعارك. وهذا قد يكون نتيجة تفاخر بعض غير الشيعة بقَتَلةٍ ارتكبوا جرائم شوّهت وجه التاريخ.

المنهجية المحمدية العَلوية لم تكن يوماً التعطّشَ لدماء المخالفين حتى وإن كانوا محاربين ضُلّالاً، بل على العكس كانت الهداية هي المحور الذي ترتكز عليه، ولم يتحرّج أمير المؤمنين على تاريخه البطولي في الحروب من الاعتراف بها (ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا). وكذلك روي عن رسول الله في وصيته لعلي يوم خيبر (فواللهِ لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ).

يعلّمنا أمير المؤمنين عليه السلام أن مصلحة المجتمع (الأمة الإسلامية) دائماً مقدمةٌ على المصالح الشخصية، وبقاء الدين والحفاظ عليه أولى من بقاء المناصب والحفاظ عليها، إذ أنّ همّه بناء الإنسان لا السلطان.

(لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي وَ وَ اللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَ فَضْلِهِ وَ زُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ).