قراءة في: اشكالية‮ ‬المنهج‮ ‬في‮ ‬دراسة‮ ‬الفلسفة‮ ‬الاسلامية

نضير‮ ‬الخزرجي *
اشكالية‮ ‬المنهج‮ ‬في‮ ‬دراسة‮ ‬الفلسفة‮ ‬الاسلامية - للدكتور العاتي

أخذت الفلسفة مسميات عدة، من قبيل الحكمة والعرفان، وعدّت بعض المسميات محاولة من اصحابها للابتعاد عن دائرة التشوش والممانعة التي لفت مصطلح الفلسفة، ونوعاً من المقاربة مع المفاهيم الاسلامية المتسالم عليها، كمصطلح العرفان الذي يجد قبولا عند المدارس الاسلامية اكثر من مصطلح الفلسفة، نتيجة لتراكم مفاهيم مغلوطة عن الفلسفة بخاصة والفلسفة الاسلامية بعامة، ما أوجد شرخا غير صغير بين علماء المسلمين أنفسهم عن أصل الفلسفة ومنشئها ومساربها، وزادت دراسات المستشرقين من رقعة هذا الشرخ من خلال محاولات بعضهم والبعض ممن تأثر بهم‮ ‬من‮ ‬الفلاسفة‮ ‬العرب‮ ‬والمسلمين‮ ‬في‮ ‬اختزال‮ ‬قرون‮ ‬عدة‮ ‬من‮ ‬الابداع‮ ‬العربي‮ ‬والاسلامي‮.‬

              ولكن‮ ‬أين‮ ‬الخلل‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬القصور‮ ‬المعرفي‮ ‬عن‮ ‬الفلسفة‮ ‬الاسلامية‮ ‬وعن‮ ‬الإحاطة‮ ‬بابداعات‮ ‬المسلمين؟

يحاول الاكاديمي والباحث العراقي الدكتور‮ ‬ابراهيم‮ ‬العاتي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ ‬الجديد‮ ‬المعنون‮ (‬اشكالية‮ ‬المنهج‮ ‬في‮ ‬دراسة‮ ‬الفلسفة‮ ‬الاسلامية) المعروض في مجلة النور اللندنية في العدد 165، ‬الاجابة‮ ‬على‮ ‬هذا‮ ‬السؤال‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬الاستشكال‮ ‬على‮ ‬نوعية‮ ‬المناهج‮ ‬المتبعة‮ ‬في‮ ‬دراسة‮ ‬الفلسفة‮ ‬الاسلامية‮.‬


 b مناهج‮ ‬الباحثين‮ ‬الغربيين‮ (‬المستشرقون‮)‬

ويتناول الدكتور ابراهيم العاتي في الفصل الاول، بالنقد مناهج المستشرقين والبعض ممن أخذ بطريقتهم من الباحثين المسلمين والعرب. معتبرا ان معظم المناهج التي طبقها المستشرقون في تعاطيهم مع فلسفة المسلمين تعود الى المنهج الاسشتراقي، لا يخلو من تجنٍ على الفلسفة الاسلامية‮ ‬وغمط‮ ‬لابداعات‮ ‬العرب‮ ‬والمسلمين‮ ‬في‮ ‬المجال‮ ‬الفلسفي‮.‬
 ويرد الكاتب على نظرية  "المركزية الاوروبية"  التي تعتبر أن اوروبا هي مركز التاريخ والحضارة على وجه البسيطة، وهي وراء كل ما وصلت اليه الانسانية من انجازات وابداعات في جميع الحقول من فلسفة وعلم وأدب وفن وغيرها، ويرى ان هذه النظرية والمنهج  المؤدى اليها يتسمان‮ ‬بالعنصرية‮ ‬ويقومان‮ ‬على‮ ‬تجاهل‮ ‬عطاءات‮ ‬الشعوب‮ ‬الاخرى‮.‬
وقريبا من ذلك، من أخذ بمنهج  "النظرية العرقية" التي تقسم الناس على أساس العرق والجنس كما في حالة ارنست رينان (1823-1892) الذي انطلق هو ومن يشاركه نظريته في تقسيم البشرية الى سامية وآرية، وفضلوا الجنس الآري على غيره من الأجناس.
وهناك من المستشرقين من يوالف بين النظريتين السابقتين ليخرج بنظرية ثالثة هي: "المعجزة اليونانية" التي يرى فيها ان الفلسفة هي نتاج اليونان، وتعيش بقية الفلسفات على مائدة فلسفة اليونان ثم فلسفة عصر النهضة الاوروبية، ومثل هذا الموقف قال به بعض المثقفين العرب.
ويعتقد العاتي ان هذه النظريات تتهافت امام البحث والنظر، ويترافع في محكمة النظريات عن نظرية (التأثر والتأثير) بوصفها: "ظاهرة طبيعية في اطار الحضارات، حتى اننا لا نستطيع ان نجد حضارة خلت من عناصر خارجية أثّرت فيها أو ساعدت على نشوئها، غير ان ذلك لا يقلل من قيمة‮ ‬تلك‮ ‬الحضارة‮ ‬ولا‮ ‬يلغي‮ ‬شخصيتها"..‬


 b العقل‮ ‬العربي‮ ‬والمنهج‮ ‬القرآني

ولّدت احادية النظرة للفلسفة عند المستشرقين ردود افعال لدى علماء العرب والمسلمين، الامر الذي أوجد جيلا من الباحثين تفرغ لدراسة الفلسفة الاسلامية، ويعتقد العاتي ان شيخ الجامع الازهر الشيخ مصطفى عبد الرازق (1885-1947م) كان رائدا في هذا المجال من خلال محاضراته ودروسه التي القاها في عشرينيات القرن الماضي. ويأخذ على البعض ممن أوغل كثيرا في وضع الحدود بين فلسفة اسلامية مغربية واخرى اسلامية مشرقية، على نمط ما فعل بعض المستشرقين، ويعتقد ان هذا المنهج المناطقي يدخل في اطار الحرب على الفلسفة الاسلامية ولكن بسلاح‮ ‬داخلي‮ ‬لتثبيت‮ ‬مسائل‮ ‬تجاوزتها‮ ‬الشعوب‮ ‬العربية‮ ‬والاسلامية‮.‬
 ومع أن الكاتب لا ينكر عملية التأثر والتأثير أو ما نسميه بـ "نظرية التفاعل والتفعيل" في نشأة أية فلسفة او ظاهرة حضارية ومنها الفلسفة والحضارة الاسلامية، فانه يدعو في الوقت نفسه الى ملاحظة: "المؤثر الاسلامي قبل كل شيء، لانه الأقرب من جميع الوجوه الى تلك النشأة". وينتقد المناهج السابقة  بسبب: "إهمالها تحليل الطابع العقلي الاسلامي، ودور القرآن الكريم في صياغة العقلية الاسلامية بحيث اصبحت هذه العقلية مهيأة للنظر والابداع الفلسفي"، فالعقلية الاسلامية كما يرى العاتي: "ثمرة للمنهج القرآني الذي حث على النظر والاعتبار‮ ‬والتأمل‮ ‬في‮ ‬آفاق‮ ‬الكون‮ ‬ومكنونات‮ ‬النفس".‬


 b الحكمة‮ ‬والشريعة‮ .. ‬حرب‮ ‬مفتعلة

ويسعى المؤلف في الفصل الثاني الى تبديد الظنون حول شبهة العلاقة التضادية بين الحكمة والشريعة، متلمسا تعريف الحكمة التي تعني في احد أوجهها: "الاصابة في القول والفعل، ومعرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، أو هي العقل والعلم والفهم والمصلحة والموعظة والفلسفة، او المعرفة بالدين والفهم فيه، والنبوة والفقه"، وهي حسب الشيخ  الطبرسي (1077-1153): "العلم الذي تعظم منفعته وتجل فائدته، وانما قيل للعلم حكمة لأنه يُمْتَنَعُ به عن القبيح لما فيه من الدعاء الى الحسن والزجر عن القبيح".
فالحكمة تريد بالانسان خير الدنيا والاخرة وكذا الشريعة، والحكمة تنشد معرفة الحق والشريعة داعية الى النظر المؤدي الى معرفة الحق، فمنهج التوفيق  بين الحكمة والشريعة كما يذهب اليه العاتي هو الطريق الأمثل لرفع الشبهة عن التخالف والتعارض.
في الفصل الثالث وتحت عنوان (تراثنا الفلسفي ودوره في صياغة مشروعنا الحضاري)، أشار الكاتب الى أن فلاسفة العرب والمسلمين كانوا علماء قبل ان يكونوا فلاسفة كالكندي (ت بعد 966م) والفارابي (ت 950م) ولم تكن كرة هؤلاء العلماء الفلاسفة عن مرمى العلم التجريبي ببعيدة، بل كانوا رياضييه ورواده وأهله كجابر بن حيان (ت 815م) والشيخ الرئيس ابن سينا (980-1037م) والحسن بن الهيثم (965-1039م)، بل ان العلامة جورج سارتون  (1884-1959م) مؤلف كتاب (تاريخ العلم والأنسنة الجديدة) يذهب الى: "ان اليونانيين كانوا متخلفين من الناحية التجريبية،‮ ‬واذا‮ ‬كان‮ ‬أطباؤهم‮ ‬مالوا‮ ‬اليها‮ ‬بحكم‮ ‬الصناعة،‮ ‬فان‮ ‬الروح‮ ‬التجريبية‮ ‬لم‮ ‬تنشأ‮ ‬الا‮ ‬بتأثير‮ ‬الكيمياويين‮ ‬وعلماء‮ ‬البصريات‮ ‬من‮ ‬العرب".‬ وعن‮ ‬طريق‮ ‬التجربة‮ ‬تمكن‮ ‬العلماء‮ ‬المسلمون‮: "‬من‮ ‬استخراج‮ ‬العلة‮ ‬من‮ ‬المعلول،‮ ‬والمجهول‮ ‬من‮ ‬المعلوم‮ ‬وانتهوا‮ ‬الى‮ ‬عدم‮ ‬التسليم‮ ‬بما‮ ‬لا‮ ‬يثبت‮ ‬من‮ ‬غير‮ ‬تجربة".‬

واذا انتقلنا الى مجال العقل فان العقلانية سمة ميزت الفلسفة الاسلامية، وصفة امتاز بها علم الكلام، ويرى العاتي ان الفلاسفة يعتبرون: "الموقف من العقل والسير على هدى أحكامه جزءاً من طبيعة الفلسفة"،
 بل ان الكندي يرى: "ان الناس جميعا لابد لهم من موقف فلسفي ، إن ارادوا الحصول على قدر من التفكير السديد وحتى خصوم الفلسفة مضطرون للتفلسف شاءوا أم أبو.. لأنهم ان رفضوا الفلسفة وجب عليهم تعليل موقفهم والبرهنة عليه. وإعطاء العلة والبرهان هو من طبيعة الفلسفة"، ويذهب ابن رشد (1126-1198م) بعيدا في وجوب النظر الفلسفي شرعا، ويستجلي اسس التوافق والتناغم بين الفلسفة والدين من خلال تأكيده انه: "اذا كانت هذه الشرائع حقا، وداعية الى النظر المؤدي الى معرفة الحق، فانا معشر المسلمين نعلم على القطع انه لا يؤدي النظر البرهاني الى مخالفة ما ورد به الشرع، فان الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له".‬


 b رواد‮ ‬المنهج‮ ‬العلمي‮ ‬عند‮ ‬المسلمين

يتناول الكاتب في الفصلين الرابع والخامس جوانب من سيرة العالم والفيلسوف جابر بن حيان الازدي الكوفي ويعقوب بن اسحاق الصباح الكندي. وينقل عن الأول قوله: "انّا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط، دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه  بعد ان امتحناه وجربناه، فما صح‮ ‬اوردناه‮ ‬وما‮ ‬بطل‮ ‬رفضناه‮".‬ واشتهر جابر لدى علماء الغرب والشرق بانه اول من وضع لعلم الكيمياء قواعد علمية تقترن باسمه.
اما الكندي رائد المنهج الرياضي الذي اعتبر الرياضيات شرطا لا غنى عنها لتعلم الفلسفة، فقد ساهم العصر الذي عاش فيه في ان يبدع في مجال تخصصه، وهو عصر شهد حركة كبيرة للترجمة الى العربية، فالكندي: "يقف على الخط الفاصل بين عصر النقل وعصر الابداع، وقدر له هذا الموقف ان يعالج مشكلات تأسيس العلم في حضارة ناشئة، وبخاصة في ما يتعلق بالمفاهيم والمصطلحات التي كان العقل العربي والمسلم حديث عهد بها". والكندي: "‬أدخل‮ ‬الرياضيات‮ ‬في‮ ‬النسيج‮ ‬المنطقي‮ ‬والفلسفي،‮ ‬فتوصل‮ ‬الى‮ ‬نتائج‮ ‬لم‮ ‬تعرفها‮ ‬الحضارة‮ ‬الا‮ ‬في‮ ‬العصر‮ ‬الحديث‮ ‬وبخاصة‮ ‬على‮ ‬يد‮ ‬ديكارت‮ ‬واصحاب‮ ‬المنطق‮ ‬الرياضي‮ ‬أمثال‮ ‬برتراند‮ ‬رسل".
وحملت‮ ‬الفصول‮ ‬الخمسة‮ ‬الاخرى‮ ‬العناوين‮ ‬التالية‮:‬ (التصوف‮ ‬الاسلامي: ‬آراء‮ ‬في‮ ‬فهمه‮ ‬وتقييمه)‬، (جدلية‮ ‬الوجود‮ ‬والانسان‮ ‬عند‮ ‬ابن‮ ‬عربي)، (جدلية‮ ‬المعرفة‮ ‬والسياسة‮ ‬عند‮ ‬الفارابي)، (الزمان‮ ‬وتجلياته‮ ‬في‮ ‬الفكر‮ ‬الاسلامي) و(شفافية الرمز الفلسفي).

في الفصلين السادس والسابع توقف الكاتب عند تعريف التصوف والاشكالات التي وردت عليه وعلى اصل التصوف ونشأته ومصدره ومنهجه وواقعه، ومعرفة جدلية الانسان والوجود. فيما تناول في الفصل الثامن نظرية المعرفة لدى الفارابي، وتناول في الفصل التاسع ظاهرة الزمن الكونية ونظرة التراث الاسلامي الى الزمن. وبحث الدكتور ابراهيم العاتي عميد الدراسات العليا في الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية في لندن، في الفصل الاخير اصل الرمز الفلسفي ومدى شفافيته وتوظيفه لبلوغ غايات وجدانية وفلسفية واخلاقية وعرفانية.

صدر‮ ‬الكتاب‮ ‬عن‮ ‬دار‮ ‬الهادي‮ ‬في بيروت‮ ‬في‮ 135 ‬صفحة‮ ‬من‮ ‬القطع‮ ‬الوزيري (17في 24) ‬ضمن‮ ‬سلسلة‮ ‬كتاب (‬قضايا‮ ‬اسلامية‮ ‬معاصرة) ‬التي‮ ‬يرأس‮ ‬تحريرها‮ ‬الباحث‮ ‬العراقي‮ ‬عبد‮ ‬الجبار‮ ‬الرفاعي‮.‬

مركز الرأي الآخر للدراسات/لندن